الأوكسيتوسين هرمون وناقل عصبي في آن واحد، يصنعه الدماغ في منطقة تحت المهاد، ويشتهر بلقب «هرمون الحب» لأنه يرتفع مع العناق واللمس والرضاعة والقرب من الأشخاص الذين نثق بهم. لكن وظيفته الأقدم والأوضح طبيًا هي الولادة: فهو الذي يدفع الرحم إلى الانقباض، ويطلق الحليب من الثدي. تشرح هذه الصفحة كيف يُصنع ومتى يُفرز، وما دوره عند المرأة والرجل، وعلاقته بالتوتر والإدمان والأمراض النفسية، وما الذي تقوله الأبحاث فعلًا بعيدًا عن المبالغات المنتشرة.
ما هو الأوكسيتوسين؟
الأوكسيتوسين ببتيد صغير، أي سلسلة قصيرة من تسعة أحماض أمينية فقط، تلتف جزئيًا على شكل حلقة. اسمه مشتق من كلمتين يونانيتين معناهما «الولادة السريعة»، وهو وصف يذكّر بأن العلماء عرفوه أولًا من أثره على الرحم قبل أن ينتبهوا لدوره في السلوك الاجتماعي بعقود.
ويعمل بطريقتين. حين يُفرز في الدم يتصرف هرمونًا يصل إلى الرحم والثدي وأعضاء أخرى. وحين تطلقه الخلايا العصبية داخل الدماغ نفسه يعمل ناقلًا ومعدّلًا عصبيًا يؤثر في مناطق الخوف والانفعال والمكافأة، مثل اللوزة الدماغية ومراكز دائرة المكافأة التي يعمل فيها الدوبامين. وله «شقيق» كيميائي قريب الشبه هو الفازوبريسين، الهرمون المضاد لإدرار البول، ويختلفان في حمضين أمينيين فقط.
أين يُصنع وكيف يُفرز؟
تصنعه خلايا عصبية متخصصة في نواتين داخل منطقة تحت المهاد في قاع الدماغ. ثم يحدث الآتي:
- ينتقل داخل امتدادات هذه الخلايا إلى الفص الخلفي للغدة النخامية، ويُخزن هناك في حويصلات صغيرة.
- حين يصل منبه مناسب، مثل ضغط رأس الجنين على عنق الرحم أو مص الرضيع للثدي، تطلق الغدة مخزونها إلى الدم.
- في الوقت نفسه تطلق خلايا أخرى الأوكسيتوسين مباشرة داخل الدماغ، فيصل إلى مناطق الانفعال والسلوك الاجتماعي.
- يرتبط بمستقبلات خاصة به منتشرة في الرحم والثدي والقلب والدماغ، ثم يتكسر سريعًا؛ فعمره في الدم دقائق معدودة.
ولإفرازه في الولادة طابع خاص: كل انقباضة تزيد الضغط على عنق الرحم، فيُفرز مزيد من الأوكسيتوسين، فتقوى الانقباضة التالية. هذه «الحلقة الإيجابية» نادرة بين الهرمونات، ولا تتوقف إلا بخروج الطفل.
وظائف الأوكسيتوسين الأساسية
- الولادة: يقوي انقباضات الرحم وينظمها، ويساعد الرحم بعد الولادة على الانكماش، وهو ما يقلل النزيف.
- الرضاعة: يسبب ما تسميه الأمهات «نزول اللبن»، أي دفع الحليب من الغدد إلى الحلمة عند الرضاعة، بينما يتولى هرمون آخر هو البرولاكتين صنع الحليب نفسه.
- الترابط: يشارك في تكوين الرابطة بين الأم ورضيعها، وفي التعلق بين الشريكين، بحسب أبحاث كثيرة أغلبها على الحيوانات.
- الثقة وقراءة المشاعر: تشير دراسات بشرية إلى أنه قد يزيد الانتباه إلى الوجوه وتعبيراتها، مع نتائج متفاوتة بين الدراسات.
- تهدئة التوتر: يُعتقد أنه يخفف نشاط محور التوتر الذي يفرز الكورتيزول، ويهدئ استجابة اللوزة الدماغية للخطر.
- وظائف أخرى: يشارك في الإحساس بالشبع، وفي الاستجابة الجنسية والنشوة عند الجنسين.

متى يُفرز الأوكسيتوسين؟
يرتفع الأوكسيتوسين في مواقف يجمعها القرب الجسدي أو العاطفي:
- أثناء الولادة، وفي كل مرة يرضع فيها الطفل، ومع ملامسة جلد الأم لجلد المولود.
- مع اللمس الدافئ: العناق، والإمساك باليد، والتدليك.
- أثناء العلاقة الحميمة، ويبلغ ذروته مع النشوة.
- في التفاعل الاجتماعي الإيجابي، مثل حديث مطمئن مع شخص موثوق أو لعب الأهل مع أطفالهم.
- وفي بعض حالات التوتر الحاد، كأنه محاولة من الجسم لدفع الإنسان إلى طلب السند.
أما التوتر المزمن والعزلة الطويلة فيرتبطان في الأبحاث باضطراب هذا النظام، وإن كان من الصعب قياس ذلك بدقة.
الأوكسيتوسين عند المرأة والرجل
عند المرأة يرتبط الأوكسيتوسين بمراحل الحمل والولادة والرضاعة ارتباطًا مباشرًا، ويشارك في بناء الرابطة مع الطفل في الأسابيع الأولى. وتدرس الأبحاث علاقة اضطرابه باكتئاب ما بعد الولادة وصعوبات الرضاعة، دون نتائج تسمح حتى الآن باستخدامه في التشخيص.
وعند الرجل لا يقل وجوده أهمية؛ فهو يشارك في الانتصاب والقذف، ويرتفع مع القرب من الشريكة ومع رعاية الأطفال. وتشير دراسات إلى أن الآباء الذين يقضون وقتًا أطول في اللعب مع أطفالهم تظهر لديهم استجابات مرتبطة به. أما ما ينتشر على الإنترنت من قوائم بعنوان «أعراض نقص الأوكسيتوسين عند الرجال»، مثل صعوبة التعلق والعزلة والتوتر، فهي أعراض عامة لها أسباب كثيرة، ولا يوجد تحليل معتمد في العيادات يقيس الأوكسيتوسين ليشخص نقصه عند شخص سليم.
الأوكسيتوسين والإندورفين والدوبامين: ما الفرق؟
| المادة | دورها الأبرز | متى ترتفع |
|---|---|---|
| الأوكسيتوسين | الترابط والثقة والولادة والرضاعة وتهدئة التوتر | اللمس والقرب والرضاعة |
| الإندورفين | تخفيف الألم والإحساس بالارتياح | المجهود البدني والضحك والألم |
| الدوبامين | الدافع والسعي إلى المكافأة والتعلم منها | توقع المكافأة والإنجاز |
| السيروتونين | استقرار المزاج والنوم والتحكم في الاندفاع | ضوء النهار والانتظام في العادات |
هذه المواد تعمل معًا لا منفردة؛ فالأوكسيتوسين مثلًا يؤثر في إفراز الدوبامين داخل دائرة المكافأة، وهو ما يفسر جزئيًا لماذا تبدو صحبة من نحبهم «مجزية».
الأوكسيتوسين والإدمان
يهتم الباحثون بالأوكسيتوسين في مجال الإدمان لسببين. الأول أن المخدرات تعبث بنظامه: فالأفيونات، ومنها الهيروين، تثبط إفرازه من الغدة النخامية، والكحول يضعف إطلاقه، بينما يرفعه الإكستاسي بقوة، وهو ما يُعتقد أنه وراء الإحساس المصطنع بالقرب من الغرباء الذي يصفه متعاطوه. والثاني أن الإدمان يصيب الحياة الاجتماعية في الصميم؛ فالمتعاطي يفقد تدريجيًا العلاقات التي كانت تمنحه الدعم والهدوء، ويحل المخدر محلها.
وقد أظهرت تجارب على الحيوانات أن إعطاء الأوكسيتوسين قد يقلل البحث عن المخدر وأعراض الانسحاب، لكن التجارب على البشر ما زالت صغيرة ونتائجها متضاربة، ولم يُعتمد الأوكسيتوسين علاجًا للإدمان في أي مكان. التفاصيل وحدود الأدلة في مقال الأوكسيتوسين والإدمان.
الأوكسيتوسين والأمراض النفسية
جُرّب الأوكسيتوسين بخاخًا للأنف في أبحاث على اضطراب طيف التوحد والفصام والرهاب الاجتماعي واضطراب ما بعد الصدمة، على أمل تحسين التواصل الاجتماعي أو تخفيف الخوف. جاءت النتائج المبكرة مشجعة، لكن دراسات أكبر وأدق لاحقًا لم تؤكد فائدة واضحة في كثير منها، ومن ذلك تجربة واسعة على أطفال التوحد لم تجد فرقًا ملموسًا عن الدواء الوهمي.
لذلك يبقى استخدامه في الطب النفسي بحثيًا، بينما تظل العلاجات المعتمدة لهذه الاضطرابات هي العلاج النفسي والأدوية التي يحددها الطبيب. ويرتبط اضطراب العلاقات والعزلة أيضًا بخطر الاكتئاب، وهنا يتداخل دور الأوكسيتوسين مع عوامل كثيرة لا يمكن فصلها.
كيف تدعم الأوكسيتوسين بطرق طبيعية؟
لا يحتاج الأمر إلى مكملات أو بخاخات، فالمحفزات الطبيعية معروفة، وإن كانت قوة الدليل متفاوتة:
- اللمس الآمن: عناق أفراد الأسرة، والإمساك باليد، والتدليك، وهي من أوضح المحفزات في الدراسات.
- ملامسة الأم لجلد مولودها والرضاعة الطبيعية، وفائدتهما للأم والطفل مثبتة لأسباب كثيرة.
- وقت حقيقي مع الأصدقاء والعائلة، والحديث وجهًا لوجه لا عبر الشاشات فقط.
- مساعدة الآخرين والتطوع، والأنشطة الجماعية كالغناء أو الرياضة مع فريق، بدليل أضعف لكنه مشجع.
- تخفيف التوتر المزمن وتنظيم النوم، لأنهما يحسنان البيئة التي تعمل فيها أنظمة الدماغ كلها.
- بعض الدراسات تشير إلى ارتفاعه مع مداعبة الحيوانات الأليفة، والدليل هنا أولي.
أدوية ومواد تؤثر في الأوكسيتوسين
الاستخدام الطبي الثابت للأوكسيتوسين الصناعي هو في أقسام الولادة: يُعطى بالحقن تحت إشراف طبي لتحفيز الولادة أو تقويتها، ولمنع نزيف ما بعد الولادة وعلاجه، وتعده منظمة الصحة العالمية الخيار الأول لهذا الغرض. وهو دواء قوي قد يسبب انقباضات مفرطة إذا أُعطي بشكل خاطئ، لذلك لا يُستخدم إلا في المستشفى. أما البخاخات التي تُباع على الإنترنت بوصفها «تزيد الحب والثقة» فلا أساس معتمدًا لاستخدامها، وجودتها ومحتواها غير مضمونين.
ومن المواد التي تؤثر فيه: الأفيونات التي تثبط إفرازه، والكحول، والإكستاسي الذي يرفعه مؤقتًا ثم يترك المتعاطي في هبوط مزاجي، إضافة إلى أبحاث على أدوية نفسية مختلفة لم تصل إلى نتائج حاسمة.
خرافات شائعة عن الأوكسيتوسين
الخرافة: الأوكسيتوسين «هرمون الحب» ويجعل الإنسان طيبًا مع الجميع. والحقيقة أن أثره يعتمد على السياق؛ فبعض الدراسات تشير إلى أنه قد يقوي الانحياز للمجموعة القريبة والحذر من الغرباء، لا المحبة المطلقة.
الخرافة: بخاخ الأوكسيتوسين يجعل الطرف الآخر يثق بك أو يحبك. والحقيقة أن الدراسات الأولى عن الثقة لم تتكرر نتائجها بثبات، ولا يوجد دواء يصنع مشاعر حقيقية.
الخرافة: الأوكسيتوسين علاج مثبت للإدمان أو التوحد. والحقيقة أنه ما زال قيد البحث، ونتائجه في البشر متضاربة حتى الآن.
الخرافة: تحليل دم بسيط يكشف نقص الأوكسيتوسين. والحقيقة أن قياسه في الدم صعب ومتقلب ولا يعكس نشاطه داخل الدماغ، ولا يُستخدم لتشخيص أي اضطراب نفسي.
دليل الأوكسيتوسين: كل جانب في مقال مستقل
نخصص للأسئلة التي تحتاج تفصيلًا مقالات مستقلة، أولها:
- الأوكسيتوسين والإدمان: كيف تعبث المخدرات بنظام الترابط في الدماغ، وما الذي تقوله الأبحاث عن استخدامه في العلاج، وما المتاح فعلًا اليوم.
وتكمل الصورة مقالات قريبة من أدلة كيمياء الدماغ الأخرى: الدوبامين والإدمان عن دائرة المكافأة، وكيفية خفض الكورتيزول عن التوتر المزمن، وكيفية زيادة السيروتونين عن العادات التي تدعم المزاج.
متى تزور الطبيب؟
لا أحد يحتاج إلى زيارة الطبيب بسبب «نقص الأوكسيتوسين» في حد ذاته، لكن هناك ما يستحق التقييم: حزن أو قلق شديد بعد الولادة يمنع الأم من رعاية نفسها أو طفلها، أو عزلة وانسحاب من الناس يستمران أسابيع، أو صعوبة متكررة في بناء العلاقات تسبب معاناة، أو تعاطٍ لمواد حل محل العلاقات والسند.
وإذا راودت الأم بعد الولادة أفكار بإيذاء نفسها أو طفلها فهذه حالة عاجلة تستدعي التواصل مع الطوارئ على 123 فورًا. في ريفيرا لايف، المستشفى المرخص من وزارة الصحة في الشيخ زايد بالجيزة، يقيم استشاريو الطب النفسي وعلاج الإدمان هذه الحالات بسرية تامة، والاستشارة الأولى مجانية على +201507999722.