
الحيل الدفاعية طرق يلجأ إليها العقل دون أن يقرر ذلك ليخفف ألمًا أو خوفًا أو شعورًا بالذنب لا يحتمله في لحظته. حين تقول لنفسك «لم يحدث شيء»، أو تغضب من زميلك بسبب خلاف مع شخص آخر، أو تغرق في العمل كي لا تفكر في خسارة موجعة، فأنت تستخدم حيلة دفاعية. معظمنا يفعل ذلك يوميًا، وبعضها يحمينا فعلًا. المشكلة تبدأ حين تصبح الحيلة وحدها طريقة الحياة، فتمنع صاحبها من رؤية مشكلته ومن طلب المساعدة. نشرح هنا أشهر هذه الحيل وأمثلتها وكيف تتعرف عليها وكيف تتحول إلى حواجز في العلاقات والإدمان والعلاج.
ما هي الحيل الدفاعية بالضبط؟
ظهر المفهوم في التحليل النفسي مع سيجموند فرويد، ثم وسّعته ابنته آنا فرويد ومن جاء بعدها. الفكرة الأساسية أن العقل يحمي الشخص من مشاعر ثقيلة بتغيير الطريقة التي يرى بها الواقع أو يشعر به، وأن ذلك يحدث تلقائيًا بلا تخطيط. ولذلك لا يصح أن نقول إن شخصًا «يكذب» حين ينكر؛ فهو غالبًا لا يرى الحقيقة بالصورة التي نراها نحن.
وتصنف المراجع الطبية هذه الحيل عادة من الأبسط والأكثر بدائية إلى الأنضج. وتقترح بعض الدراسات أن ما يعتمد عليه المراهق من حيل قد يعطي إشارة مبكرة على نمط شخصيته لاحقًا، لكنها مجرد مؤشرات لا أحكام.
أشهر الحيل الدفاعية مع أمثلة
| الحيلة | ماذا تفعل؟ | مثال من الحياة |
|---|---|---|
| الإنكار | رفض الاعتراف بحقيقة مؤلمة أو بأثرها | مريض تظهر عليه علامات السكري يقول إنه «متعب فقط» |
| الإسقاط | نسبة مشاعري أو عيوبي إلى غيري | من يغضب باستمرار يقول إن الجميع يستفزونه |
| الكبت | دفع الذكرى أو الفكرة المؤلمة إلى خارج الوعي | نسيان تفاصيل حادث صعب بلا سبب عضوي |
| التبرير | اختلاق سبب منطقي مقبول لسلوك غير مقبول | «أنا أشرب لأن الشغل ضاغط، ولو غيّرت الشغل لتوقفت» |
| النكوص | العودة إلى سلوك أصغر سنًا تحت الضغط | شخص بالغ يبكي كالطفل أو يتصرف بعناد صغير عند أول مواجهة |
| التحويل (الإزاحة) | تفريغ الانفعال في شخص أكثر أمانًا | موظف يتشاجر في البيت بسبب توبيخ مديره |
| التقليل (التهوين) | التخفيف من حجم المشكلة وتصغيرها | «مجرد كأسين في الأسبوع» وهي أكثر من ذلك |
| التسامي | تحويل الدافع المؤلم إلى نشاط بنّاء | من فقد قريبًا بمرض يعمل في العمل التطوعي الصحي |
| الفكاهة | مواجهة الموقف الصعب بالضحك | التعليق الساخر على موقف محرج لتخفيف التوتر |
لاحظ أن الحيل الأخيرة، كالتسامي والفكاهة، تُعد من الأنضج لأنها تتعامل مع الألم دون إنكاره. أما الإنكار والإسقاط فمن النوع الأبسط الذي يوفر راحة قصيرة بثمن طويل.

الإنكار: أكثر الحيل التي تؤخر العلاج
الإنكار ليس عنادًا بالضرورة. هو في أحيان كثيرة وسيلة لمنع الانهيار: يسمع المريض تشخيصًا قاسيًا فيحتاج بعض الوقت ليهضمه. هذا الإنكار المؤقت طبيعي وقد يعقبه تقبّل تدريجي. لكن حين يطول الإنكار ويمنع صاحبه من التحقق أو العلاج، تصبح له كلفة حقيقية.
ومن أمثلة ذلك أن ينكر الوالد أن طفله يعاني من مشكلة نمائية، أو أن ينكر الزوج أن غضبه يؤذي أسرته، أو أن ينكر شخص أن حزنه الطويل يحتاج إلى مساعدة. للتعرف على الحزن الذي يتجاوز حده راجع الفرق بين الحزن والاكتئاب.
الحيل الدفاعية والإدمان
في الإدمان يظهر الإنكار بصورة حادة. يقول المتعاطي «أستطيع التوقف في أي وقت»، أو «أنا لست مثل فلان»، أو «الأمر تحت السيطرة لأنني أعمل وأعتني بأسرتي». وتظهر حيل أخرى معه: التبرير بأن الضغوط هي السبب، والتهوين من الكمية، وإسقاط اللوم على الزوجة أو الأصدقاء أو العمل.
من المهم أن تفهم الأسرة أن هذه الحيل ليست استخفافًا بها. إنها طريقة العقل في الابتعاد عن ألم الاعتراف بالفقد والخجل. وعلى هذا الأساس، المواجهة العنيفة والاتهام المتواصل كثيرًا ما يقويان الدفاع بدل أن يضعفاه. تجد في مقال كيفية التعامل مع مدمن الهيروين أو كيفية التعامل مع مدمن الكحول طرقًا عملية للحوار دون صدام، وإن رفض الشخص العلاج مع وجود خطر حقيقي فاقرأ عن العلاج بالقوة ومتى يكون مبررًا.
الحيل الدفاعية في الزواج والعمل
داخل البيت تظهر الحيل في صورة جدالات مألوفة. زوجة تشتكي من الصمت فيجيبها الزوج بنكتة كلما اقتربت من الموضوع، وهذه فكاهة تُستخدم للهروب. وزوج يُسقط على شريكته عصبيته المتراكمة من العمل. وموظف يبرر تأخره المتكرر بأن «الزحام مستحيل» ويرفض النظر في أي ترتيب آخر. في كل مثال، الشخص لا يتعمد الإيذاء، لكن الأثر يتراكم على من حوله.
وأفضل ما يفعله الطرف الآخر هنا أن يصف سلوكه لا شخصه: «حين نتحدث عن المصاريف تنتقل إلى موضوع آخر، وأنا أحتاج أن نكمل». عبارة كهذه أقل استفزازًا من «أنت دائمًا تهرب»، وتترك مساحة للتراجع دون خسارة الكرامة.
متى تكون الحيلة طبيعية ومتى تصبح مشكلة؟
اسأل نفسك هذه الأسئلة، ولا تعتمد عليها كتشخيص:
- هل تستخدم الحيلة نفسها في كل موقف صعب بصورة آلية؟
- هل تعطل علاقاتك أو عملك أو صحتك؟
- هل يشتكي منك المقربون من أنك لا تعترف بما يرونه واضحًا؟
- هل تشعر براحة قصيرة يعقبها شعور متزايد بالتوتر أو بالفراغ؟
- هل تقودك الحيلة إلى سلوك مؤذٍ، كالتعاطي أو الغضب المتكرر أو العزلة؟
إذا كانت الإجابة نعم في عدة أسئلة فقد يفيدك الحديث مع مختص. وعند بعض الأشخاص تكون الحيل البدائية شديدة الحضور مع تقلبات حادة في العلاقات، وهو ما يظهر في بعض اضطرابات الشخصية. ولا يعني هذا أن كل من يستخدم الإنكار أو الإسقاط مصاب باضطراب شخصية؛ فالفرق في الشدة والثبات والأثر.
كيف تتعامل مع حيلك الدفاعية؟
- لاحظ دون جلد: حين تجد نفسك تبرر سريعًا أو تغضب بلا مناسبة، توقف وقل لنفسك «ما الذي أحاول ألا أشعر به؟».
- سمِّ الشعور: تحديد كلمة للشعور، كالخوف أو الخجل أو الذنب، يخفف قبضته.
- اسأل شخصًا تثق به: كيف يرى سلوكي؟ واستمع دون دفاع فوري.
- اكتب: الكتابة الحرة تبطئ الحيلة وتكشف ما تخفيه.
- استبدل تدريجيًا: من الإنكار إلى تقبل جزئي، ومن الإسقاط إلى سؤال «ما نصيبي من المشكلة؟».
كيف يعالج الطب النفسي الحيل الدفاعية؟
لا تُعالج الحيل الدفاعية بمعزل عن غيرها، لكنها جزء كبير من عمل العلاج النفسي. يستخدم المعالج التحليلي النفسي أو الديناميكي المواجهة اللطيفة والتفسير ليساعد الشخص على رؤية أنماطه، ويكشف العلاج السلوكي المعرفي الأفكار التي تبرر السلوك المؤذي ويختبرها بالواقع. وفي علاج الإدمان تُستخدم أساليب تحفيزية تحترم تردد المريض بدل أن تصطدم به. وتفيد قراءة كيفية التعامل مع الشخص النرجسي لفهم كيف يستخدم بعض الأشخاص حيلًا شديدة الصلابة تحمي صورتهم الذاتية.
وتذكر أن الصبر جزء من العلاج؛ فالدفاع الذي بُني عبر سنوات لا يزول في جلسة. والمعالج الجيد لا يهدم الدفاع قبل أن يبني بديلًا أكثر أمانًا.
كيف تساعدك ريفيرا لايف؟
إذا لاحظت أن إنكار شخص عزيز يحول بينه وبين العلاج، أو أن حيلك أنت تؤذي علاقاتك، يمكنك الحصول على استشارة أولى مجانية مع استشاري الطب النفسي في ريفيرا لايف في الشيخ زايد بالجيزة، وفي سرية تامة. ولأسرة المريض برنامج يشرح كيف تتعامل مع الإنكار بلا صدام. اتصل على +201507999722.
اقرأ أيضًا
أسئلة يطرحها الكثيرون
هي طرق لا إرادية يستخدمها العقل ليخفف القلق والألم والذنب، بتغيير طريقة رؤية الموقف أو الشعور به.
لا، بعضها ناضج ومفيد كالفكاهة والتسامي. تضر حين تصبح الأسلوب الوحيد وتمنع صاحبها من مواجهة مشكلة أو طلب العلاج.
الإنكار يحميه من ألم الاعتراف بالخسارة والخجل، وهو في الغالب لا إرادي. لذلك تفيد معه المواجهة الهادئة أكثر من الاتهام.
الكاذب يعرف الحقيقة ويخفيها، أما المنكِر فكثيرًا ما لا يرى الحقيقة بالصورة التي يراها غيره لأن عقله يدفعها بعيدًا.
لا يُقصد إزالتها كلها، بل ملاحظتها واستبدال الأقل نضجًا بأنضج منها، وذلك يتم بالوعي والكتابة والعلاج النفسي.