
لا يعرف الطب حتى الآن سببًا مؤكدًا للمازوخية. الأبحاث في هذا المجال قليلة، وأغلبها أُجري على أعداد صغيرة أو على أشخاص طلبوا العلاج أصلًا، ولذلك فكل ما يُقال عن أسباب المازوخية يبقى في حدود النظريات والعوامل المرتبطة لا الأسباب المثبتة. ما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن هناك فرقًا بين ما قد يفسر ظهور الميل، وما يحوّله إلى اضطراب يسبب ضيقًا أو ضررًا. في هذا المقال نعرض النظريات النفسية والبيولوجية الممكنة، وعوامل الخطر، وأسباب النمط اليومي الذي يسميه الناس «مازوخية»، مع توضيح حدود الأدلة في كل نقطة.
لماذا يصعب تحديد أسباب المازوخية؟
هناك أسباب عملية تجعل الصورة ناقصة. أولها الحرج: أغلب الناس لا يتحدثون عن هذا الموضوع، حتى في الاستبيانات المجهولة. وثانيها أن من لديهم الميل دون ضيق لا يزورون الأطباء، فتأتي معظم الملاحظات الإكلينيكية من فئة محددة تعاني اضطرابات أخرى، وهذا يشوه الاستنتاجات. وثالثها أن الدراسات التي تقارن بين مجموعات كبيرة وتتابعها لسنوات تكاد تكون غائبة. لذلك عليك أن تتعامل بحذر مع أي مصدر يقدم «السبب الحقيقي للمازوخية» بثقة كاملة.
سؤالان مختلفان: لماذا يظهر الميل؟ ولماذا يصبح مشكلة؟
هذا التفريق يساعد كثيرًا. فالسؤال الأول، عن أصل الميل، لا توجد له إجابة واضحة بعد. أما السؤال الثاني، عن تحول الميل إلى اضطراب، فالإجابة عنه أوضح نسبيًا، لأنه يرتبط بعوامل يمكن ملاحظتها: الصراع الداخلي الحاد، والسرية والعزلة، والتعاطي، والاضطرابات النفسية المصاحبة، والتصاعد دون ضوابط. وهذه العوامل الأخيرة هي ما يركز عليه العلاج عادة، كما ستجد في الفقرات التالية. ولمعرفة العلامات التي تميز الاضطراب، راجع مقال أعراض المازوخية.
النظريات النفسية التحليلية
كان التحليل النفسي أول من حاول تفسير المازوخية في بدايات القرن العشرين. قدم فرويد وتلاميذه تفسيرات تربطها بالشعور اللاواعي بالذنب، وبالحاجة إلى العقاب، وبطريقة تعامل الطفل مع مشاعر العدوان. ومن هنا جاء مصطلح «المازوخية الأخلاقية» الذي يصف من يبحث عن المعاناة في حياته عمومًا. هذه الأفكار أثرت في فهمنا لأنماط معاقبة الذات، لكنها صعبة الاختبار علميًا، ولا تُعد اليوم تفسيرًا مثبتًا للمازوخية الجنسية.
نظريات التعلم والارتباط
تقترح نظريات التعلم أن الدماغ قد يربط، في مرحلة مبكرة من النمو، بين إحساسين يحدثان معًا بالصدفة أو بشكل متكرر، مثل الإثارة والانفعال الشديد، فيتكون ارتباط يقوى مع التكرار. وتضيف أن الخيال المتكرر نفسه قد يعزز هذا الارتباط. الفكرة منطقية، وتفسر لماذا يمكن للعلاج المعرفي السلوكي أن يساعد في بعض الحالات، لكنها لا تفسر لماذا يحدث هذا الارتباط لدى شخص دون آخر في الظروف نفسها.

العوامل البيولوجية: ماذا نعرف؟
يعرف العلماء أن الجسم يفرز مواد طبيعية مسكنة عند الألم، مثل الإندورفينات، وأن بعض الأنشطة المؤلمة أو المرهقة قد تُتبع بإحساس بالراحة. ويستند بعض الباحثين إلى ذلك لتفسير جانب من الظاهرة. كما توجد اختلافات معروفة بين الناس في طريقة إدراك الألم وفي البحث عن الإثارة والتجارب الشديدة. لكن لا توجد حتى الآن دراسات قوية تثبت أن خللًا محددًا في الدماغ أو الهرمونات أو الجينات يسبب المازوخية. ولهذا لا يوجد تحليل أو فحص يكشفها.
تجارب الطفولة والصدمات: علاقة معقدة
تذكر بعض التقارير الإكلينيكية أن من يطلبون العلاج من اضطرابات جنسية غير نمطية يحملون أحيانًا تاريخًا من الإهمال أو الصدمات في الطفولة. لكن يجب قراءة هذا بحذر شديد: فأغلب من مروا بصدمات لا تظهر لديهم أي ميول من هذا النوع، وكثير ممن لديهم هذه الميول لم يمروا بصدمات. الأدق أن نقول إن الصدمة قد تزيد الضيق والصراع لدى بعض الأشخاص، وقد تجعل الحدود الشخصية أضعف، وهذا ما يجعل تقييم اضطراب ما بعد الصدمة جزءًا مهمًا من الفحص حين توجد مؤشرات عليه.
الاضطرابات المصاحبة: عوامل تزيد الضيق والخطر
تشير الملاحظات الإكلينيكية إلى أن الاضطراب يجتمع أحيانًا مع حالات نفسية أخرى تزيد من حدته:
- الاكتئاب: يغذي الشعور بالذنب وعدم الاستحقاق، وقد يدفع إلى سلوك أكثر خطورة. اقرأ عن جذوره في أسباب الاكتئاب.
- اضطراب الشخصية الحدية: يرتبط بالاندفاع وعدم استقرار العلاقات وإيذاء النفس.
- اضطرابات القلق والوسواس: تجعل الأفكار أكثر إلحاحًا والصراع الداخلي أشد.
- تعاطي الكحول والمخدرات: يضعف الحكم ويخفف الإحساس بالألم ويسهل تجاوز الحدود.
وجود هذه الحالات لا يعني أنها «سبب» الميل، لكنه يفسر كثيرًا من الحالات التي يتحول فيها إلى مشكلة.
عوامل تحوّل الميل إلى ضرر
هنا تصبح الصورة أوضح، لأن هذه العوامل تتكرر في القصص التي تصل إلى العيادة:
- السرية التامة والعزلة، فلا يوجد من يلاحظ التصاعد أو يوقفه.
- البحث عن مستوى أعلى في كل مرة، مع تراجع ضوابط الأمان.
- لقاءات مع أشخاص مجهولين عبر الإنترنت، بما يحمله ذلك من خطر استغلال أو ابتزاز.
- الممارسة تحت تأثير مواد تضعف الوعي.
- الممارسة منفردًا في أوضاع خطرة، وهو أخطر ما يحذر منه الأطباء.
- ضغوط حياتية كبيرة يستخدم فيها الشخص السلوك وسيلة للهروب من مشاعره.
أسباب النمط اليومي: لماذا يعاقب بعض الناس أنفسهم؟
أما «المازوخية» بالمعنى الشائع، أي الميل إلى اختيار ما يؤذي في العلاقات والعمل، فأسبابها أقرب إلى ما يعرفه المعالجون جيدًا. من أبرزها شعور قديم بعدم الاستحقاق تكوّن في بيئة قاسية أو ناقدة، وتعلم مبكر بأن الحب يأتي مع الألم، وإحساس مزمن بالذنب، واكتئاب طويل يجعل المعاناة تبدو «طبيعية». وقد يكرر الشخص علاقات تشبه ما عاشه في طفولته لأنها مألوفة لا لأنها مريحة. هذا النمط لا علاقة له بالضرورة بالجانب الجنسي، ويستجيب عادة للعلاج النفسي.
متى يظهر الميل عادة؟
يذكر كثير ممن لديهم هذا الميل أنهم انتبهوا إليه في المراهقة أو بداية الشباب، وبعضهم يتذكر خيالات أقدم من ذلك. أما الضيق الذي يدفع إلى طلب العلاج فقد يظهر متأخرًا بسنوات، غالبًا عند الزواج، أو عند انكشاف السر، أو بعد إصابة أخافت صاحبها، أو مع نوبة اكتئاب. هذا التوقيت مهم لأنه يوضح أن ظهور الميل شيء، ولحظة تحوله إلى مشكلة شيء آخر، وأن الثانية ترتبط غالبًا بظروف الحياة والضغوط أكثر من ارتباطها بأصل الميل نفسه.
ما الذي لا يسبب المازوخية؟
المازوخية ليست نتيجة ضعف في الشخصية أو قلة إيمان، ولا يكتسبها الإنسان لأنه «اختار» ذلك ذات يوم. والشعور بالذنب المفرط والعقاب الذاتي لا يعالجانها، بل يزيدان الصراع. كما أن نسبتها إلى سبب واحد، كالتربية أو الصدمة وحدها، تبسيط لا تدعمه الأدلة.
ماذا يعني ذلك لخطة العلاج؟
لأن الأسباب غير مؤكدة، لا يقوم العلاج على «إزالة السبب»، بل على ما يمكن تغييره: تقليل الضيق، وضبط السلوك الخطر، وعلاج الاكتئاب أو الصدمة أو التعاطي المصاحب، وإصلاح العلاقات. وهذا ما يشرحه بالتفصيل مقال علاج المازوخية. وإن كنت تبحث عن الصورة العامة، فارجع إلى دليل المازوخية.
كيف تساعدك ريفيرا لايف؟
لا تحتاج أن تعرف سبب ما تمر به لكي تطلب المساعدة. يكفي أن يكون مزعجًا لك أو خطرًا عليك. في ريفيرا لايف يبدأ استشاريو الطب النفسي بتقييم سري يبحث عن العوامل التي تزيد الضيق والخطر في حالتك تحديدًا، والاستشارة الأولى مجانية.
المزيد من دليل المازوخية
- المازوخية: الدليل الشامل
- أعراض المازوخية ومتى تحتاج إلى التقييم
- علاج المازوخية وخطوات التحسن
- أعراض اضطراب ما بعد الصدمة
أسئلة يطرحها الكثيرون
لا توجد أدلة قوية على جين أو عامل وراثي محدد يسببها. الأبحاث في هذا المجال قليلة، ولا يمكن الجزم بدور الوراثة حتى الآن.
ليس بالضرورة. بعض من يطلبون العلاج لديهم تاريخ صدمات، لكن كثيرين بلا صدمات لديهم الميل، وأغلب من مروا بصدمات لا يظهر لديهم. الصدمة قد تزيد الضيق لا أكثر.
غالبًا بسبب عوامل مثل السرية والعزلة والتصاعد دون ضوابط، أو تعاطي الكحول والمخدرات، أو اكتئاب وقلق مصاحبين. هذه العوامل يمكن التعامل معها في العلاج.
يرتبط عادة بشعور قديم بعدم الاستحقاق، أو تربية قاسية، أو ذنب مزمن، أو اكتئاب طويل. هذا النمط مختلف عن المازوخية الجنسية ويستجيب للعلاج النفسي.
نعم، فالعلاج لا يعتمد على معرفة السبب بل على تقليل الضيق وضبط السلوك الخطر وعلاج الاضطرابات المصاحبة، وهذه أهداف قابلة للتحقيق.