
لا يمكن اختصار أسباب الاكتئاب في سبب واحد، فهو ينشأ عادة من تداخل استعداد وراثي، وتغيرات في وظائف الدماغ والهرمونات، وأمراض جسدية أو أدوية أو مواد مخدرة، مع ضغوط الحياة والفقد وتجارب الطفولة، وطريقة الشخص في التفكير والتعامل مع الضغط. لذلك قد يمر شخصان بالظرف القاسي نفسه، فيكتئب أحدهما ويتجاوزه الآخر. فهم هذه العوامل لا يهدف إلى البحث عن مذنب، بل إلى معرفة ما يمكن تعديله وما يحتاج حماية إضافية. في هذا المقال نستعرض العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية، ثم العوامل التي تحمي من الاكتئاب.
لماذا لا يوجد سبب واحد للاكتئاب؟
يشرح الأطباء الاكتئاب عادة بنموذج «الاستعداد والضغط». تخيل كوبًا يمتلئ تدريجيًا: الوراثة وتجارب الطفولة والسمات الشخصية تحدد حجم الكوب، أي مقدار ما يتحمله الشخص، والضغوط والأمراض والمواد هي ما يُصب فيه. حين يفيض الكوب تظهر النوبة. هذا يفسر لماذا يكتئب شخص بعد صدمة كبيرة واحدة، بينما يكتئب آخر بعد تراكم ضغوط صغيرة، ولماذا تأتي بعض النوبات دون سبب ظاهر على الإطلاق.
وهذه النقطة الأخيرة تربك كثيرًا من المرضى وأسرهم: «حياته مستقرة، فلماذا يكتئب؟». والإجابة أن غياب الضغط الظاهر لا يعني غياب الأسباب؛ فقد يكون الاستعداد البيولوجي مرتفعًا إلى حد يكفي معه محفز بسيط، أو قد يكون هناك ضغط داخلي لا يراه الآخرون. لذلك لا يُطلب من المريض أن يبرر اكتئابه بقصة مقنعة حتى يستحق العلاج، فالمرض حقيقي سواء عرفنا محفزه أم لم نعرفه.
دور الوراثة في الاكتئاب
الاكتئاب ينتشر في بعض العائلات أكثر من غيرها. فمن له أب أو أم أو أخ أصيب بالاكتئاب تكون فرصته في الإصابة أعلى من غيره بنحو مرتين إلى ثلاث مرات تقريبًا، وترتفع أكثر إذا ظهر الاكتئاب لدى القريب في سن مبكرة أو تكرر. لكن لا يوجد «جين الاكتئاب»؛ فالاستعداد الوراثي يأتي من جينات كثيرة لكل منها أثر صغير، ولا يعني الإصابة الحتمية. كثيرون لديهم تاريخ عائلي ولا يكتئبون أبدًا.
ماذا يحدث في الدماغ؟
ظلت فكرة «نقص السيروتونين» سائدة لعقود، لكن الصورة اليوم أوسع. يرتبط الاكتئاب بتغيرات في عمل شبكات دماغية تتحكم في المزاج والمكافأة والذاكرة والاستجابة للخطر، وفي التواصل بين الخلايا العصبية وقدرتها على التكيف. ويلعب محور الضغط في الجسم دورًا مهمًا: فالضغط المزمن يبقي هرمون الكورتيزول مرتفعًا لفترات طويلة، وهو ما قد يؤثر في هذه الشبكات. وتدرس أبحاث حديثة دور الالتهاب المزمن منخفض الدرجة لدى بعض المرضى، وهي فرضيات واعدة لم تكتمل بعد.

الهرمونات ومراحل الحياة
تفسر التقلبات الهرمونية جزءًا من الفرق بين الرجال والنساء في معدلات الاكتئاب. فهناك فترات يرتفع فيها الخطر لدى المرأة بوضوح: البلوغ، والأسبوع السابق للدورة لدى بعض النساء، والحمل وما بعد الولادة، والسنوات المحيطة بانقطاع الطمث. ولدى الجنسين قد يسبب خمول الغدة الدرقية أعراضًا تشبه الاكتئاب تمامًا، لذلك يطلب الطبيب تحليلها عادة. ويمكنك الاطلاع على الأنماط المرتبطة بالولادة والدورة في مقال أنواع الاكتئاب.
الأمراض الجسدية المزمنة
العيش مع مرض مزمن يرفع خطر الاكتئاب لسببين: العبء النفسي للمرض نفسه، وتأثيراته البيولوجية المباشرة في بعض الحالات. ومن الأمراض الأكثر ارتباطًا به:
- أمراض القلب وما بعد الجلطات القلبية والدماغية.
- السكري، خاصة مع صعوبة التحكم فيه.
- الأورام وعلاجاتها.
- الألم المزمن، مثل آلام الظهر والمفاصل والصداع النصفي.
- أمراض الجهاز العصبي، مثل باركنسون والتصلب المتعدد والصرع.
ويفحص الطبيب أيضًا أسبابًا جسدية قد تشبه الاكتئاب أو تزيده، مثل الأنيميا ونقص فيتامين ب12، واضطرابات النوم كانقطاع التنفس أثناء النوم، لأن علاجها قد يحسّن المزاج بوضوح. والعلاقة متبادلة، فالاكتئاب غير المعالج قد يضعف الالتزام بعلاج المرض الجسدي ويبطئ التعافي منه.
السمنة والاكتئاب: علاقة تسير في الاتجاهين
تتكرر في العيادات قصة مألوفة: شخص زاد وزنه بعد فترة حزن طويلة، ثم أحبطه شكل جسمه فازداد حزنه. تدعم الدراسات هذه العلاقة المتبادلة، فزيادة الوزن المفرطة ترتبط بارتفاع احتمال الإصابة بالاكتئاب، والاكتئاب نفسه قد يدفع إلى زيادة الوزن. ولا يعني ذلك أن أحدهما يسبب الآخر دائمًا.
ويفسّر الباحثون الارتباط بعدة مسارات متداخلة:
- الالتهاب المزمن منخفض الدرجة الذي يصاحب زيادة الدهون، وقد يؤثر في كيمياء الدماغ.
- اضطراب هرمونات الضغط والشهية والنوم عند بعض المرضى.
- الوصمة والتنمر على الوزن وما يتركانه من عزلة وتدنٍّ في تقدير الذات.
- الخمول وقلة الحركة وتناول الطعام للتعويض العاطفي حين يهبط المزاج.
- اضطراب النوم، ومنه انقطاع التنفس أثناء النوم الشائع مع السمنة.
وتزيد بعض الأدوية النفسية الشهية والوزن لدى بعض المرضى، لكن هذا لا يبرر إيقافها بقرار فردي، والأفضل مناقشة الأمر مع الطبيب لتعديل الخطة. وإذا اجتمع الاثنان فعلاج الاكتئاب جزء من إنقاص الوزن، لا ترفًا مؤجلًا، لأن تحسّن المزاج والنوم يسهّل الالتزام بالغذاء والحركة. راجع أعراض الاكتئاب لتتعرف على العلامات، واطلع على علاج الاكتئاب لمعرفة الخيارات المتاحة.
أدوية قد ترتبط بأعراض اكتئابية
بعض الأدوية قد تسبب أعراضًا اكتئابية لدى قلة من المستخدمين، ومنها الكورتيزون عند استخدامه بجرعات عالية أو لفترات طويلة، وبعض علاجات الأورام والمناعة، وبعض الأدوية الهرمونية لدى نساء بعينهن. وهذا لا يعني أن هذه الأدوية خطرة على الجميع، ولا يجوز إيقاف أي دواء موصوف من تلقاء نفسك. الصحيح أن تبلغ طبيبك إذا لاحظت تغيرًا واضحًا في مزاجك بعد بدء علاج جديد، ليقرر هو البديل المناسب.
الكحول والمخدرات: سبب ونتيجة
يلجأ بعض الناس إلى المواد لتخفيف الحزن أو الأرق، فيحصلون على راحة مؤقتة يدفعون ثمنها لاحقًا. فالكحول مادة مثبطة للجهاز العصبي، وتعاطيه المزمن يعمّق الاكتئاب. والتعاطي الكثيف للحشيش يرتبط بالخمول وفقدان الحافز، والانسحاب من الترامادول أو المنشطات يترك فترات من الهبوط المزاجي الشديد. في هذه الحالات يصعب أحيانًا معرفة أيهما بدأ أولًا، ويحتاج الأمر تقييمًا بعد فترة من التوقف.
تجارب الطفولة والصدمات
التجارب المؤلمة في الطفولة، مثل الإهمال العاطفي، أو فقد أحد الوالدين، أو العيش وسط خلافات أسرية حادة أو عنف، ترفع احتمال الاكتئاب في الكبر. فهي تؤثر في طريقة تكوّن جهاز الاستجابة للضغط، وفي صورة الإنسان عن نفسه وعن الآخرين. كما أن الصدمات في الكبر، كالحوادث والكوارث، قد تؤدي إلى الاكتئاب، وكثيرًا ما يصاحبه حينها اضطراب ما بعد الصدمة. وجود هذه التجارب لا يحكم على أحد بالاكتئاب، لكنه يجعل الدعم المبكر أكثر أهمية.
ضغوط الحياة والفقد
تسبق كثيرًا من النوبات الأولى أحداث مثل: وفاة شخص قريب، أو طلاق، أو فقد عمل، أو ديون متراكمة، أو رعاية مريض لفترة طويلة، أو الغربة والوحدة. ولا تقتصر الضغوط على الأحداث الكبيرة؛ فضغط مستمر في العمل أو علاقة مرهقة يومية قد يكون بالأثر نفسه. اللافت أن تأثير الأحداث يقل غالبًا مع تكرار النوبات، فتصبح النوبات اللاحقة أسهل ظهورًا بمحفزات أصغر، وهو سبب إضافي لعلاج النوبة الأولى جيدًا.
ويضاف إلى ذلك نمط الحياة الحديث نفسه: العزلة وقلة العلاقات الحقيقية، والسهر الطويل أمام الشاشات، وقلة الحركة والتعرض للشمس. هذه العوامل لا تسبب الاكتئاب وحدها في الغالب، لكنها تجعل الأرض أكثر تمهيدًا له حين تجتمع مع عوامل أخرى.
السمات الشخصية وأنماط التفكير
بعض السمات ترفع القابلية للاكتئاب: الكمالية الشديدة، والنقد الذاتي القاسي، وانخفاض تقدير الذات، والميل إلى القلق، وعادة الاجترار، أي تقليب الأفكار المؤلمة مرة بعد مرة. كما ترفعه اضطرابات نفسية أخرى، مثل القلق والوسواس القهري. والخبر الجيد أن أنماط التفكير قابلة للتعديل، وهذا تحديدًا ما يستهدفه العلاج المعرفي السلوكي.
عوامل تحمي من الاكتئاب
كما توجد عوامل خطر، توجد عوامل حماية تقلل احتمال الإصابة أو تخفف شدتها:
- علاقات داعمة، ولو مع شخص واحد يمكن الحديث معه بصدق.
- نشاط بدني منتظم ونوم مستقر.
- مهارات حل المشكلات والقدرة على طلب المساعدة.
- الابتعاد عن الكحول والمواد المخدرة.
- علاج النوبة الأولى مبكرًا وبشكل كامل.
ومن كان لديه تاريخ عائلي أو نوبة سابقة، فمن المفيد أن يتعرف مع طبيبه على علاماته المبكرة الخاصة، مثل اضطراب النوم أو الانسحاب، ليتحرك قبل أن تكتمل النوبة.
كيف تساعدك ريفيرا لايف؟
معرفة الأسباب تفيد حين تتحول إلى خطة. في ريفيرا لايف يراجع استشاري الطب النفسي التاريخ العائلي والأمراض والأدوية والمواد والضغوط الحالية، ليحدد ما يحتاج علاجًا مباشرًا وما يحتاج وقاية، ثم يضع خطة من النوع الموضح في مقال علاج الاكتئاب. وإن لم تكن متأكدًا بعد مما تمر به، فابدأ بمقال أعراض الاكتئاب.
المزيد من دليل الاكتئاب
- الاكتئاب: الدليل الشامل
- أعراض الاكتئاب وعلاماته
- أنواع الاكتئاب ودرجات شدته
- علاج الاكتئاب وخطوات التعافي
- الاكتئاب والإدمان: العلاقة بينهما وكيف يُعالجان معًا
- الاكتئاب والسكري: علاقة تسير في الاتجاهين وكيف تكسر الحلقة
أسئلة يطرحها الكثيرون
للوراثة دور في رفع القابلية، فأقارب الدرجة الأولى للمريض أكثر عرضة بنحو مرتين إلى ثلاث تقريبًا. لكن لا يوجد جين واحد للاكتئاب، والتاريخ العائلي لا يعني الإصابة الحتمية.
هذا تبسيط قديم. الاكتئاب يرتبط بتغيرات أوسع في شبكات الدماغ وهرمونات الضغط والتكيف العصبي، إلى جانب العوامل النفسية والاجتماعية.
نعم، فقد يكون الاستعداد البيولوجي مرتفعًا بحيث يكفي محفز بسيط أو لا يظهر محفز على الإطلاق، والمرض حقيقي في الحالتين.
التعاطي المزمن للكحول يعمّق الاكتئاب، والحشيش الكثيف يرتبط بالخمول وفقدان الحافز، كما يسبب الانسحاب من بعض المواد هبوطًا مزاجيًا واضحًا.
لا يمكن منعه دائمًا، لكن العلاقات الداعمة والنوم المنتظم والنشاط البدني وتجنب المواد وعلاج النوبة الأولى مبكرًا تقلل الخطر بوضوح.