
الباربيتورات مجموعة من الأدوية المثبطة للجهاز العصبي، كانت لعقود طويلة المنوم والمهدئ الأول في العالم، ثم تراجعت بعد أن ظهر أن المسافة بين الكمية المنومة والكمية القاتلة فيها صغيرة جدًا. اليوم بقي لها استخدام محدود في علاج بعض أنواع الصرع وفي التخدير وبعض حالات العناية المركزة، تحت إشراف طبي دقيق. خطرها الأساسي جرعة زائدة توقف التنفس دون مضاد خاص يعكسها، وانسحاب قد يكون مهددًا للحياة بعد الاعتماد عليها. يشرح هذا المقال تاريخها وكيف تعمل، ولماذا حلّت البنزوديازيبينات محلها.
ما هي الباربيتورات؟
الباربيتورات (Barbiturates) أدوية مشتقة من مادة تُسمى حمض الباربيتوريك، وتعمل كلها على إبطاء نشاط الدماغ. يصنفها الأطباء بحسب مدة أثرها: باربيتورات طويلة المفعول يمتد أثرها يومًا أو أكثر، وأشهرها الفينوباربيتال، وأخرى متوسطة أو قصيرة المفعول كانت تُستخدم للنوم، وثالثة فائقة القصر يبدأ أثرها خلال ثوانٍ وكانت تُستخدم لبدء التخدير. وكلما قصر مفعول الدواء كان أكثر جاذبية لمن يسيء استخدامه، وأشد في انسحابه.
تاريخ الباربيتورات: من الاكتشاف إلى التراجع
صُنع حمض الباربيتوريك نفسه في ستينيات القرن التاسع عشر، لكنه لم يكن منومًا. وفي بدايات القرن العشرين طُرح أول باربيتورات دوائي للنوم، ثم تبعه الفينوباربيتال بعد سنوات قليلة، واكتُشف سريعًا أنه يمنع نوبات الصرع. بين العشرينيات والخمسينيات انتشرت عشرات الأنواع، وصارت تُصرف للأرق والقلق والتوتر وحتى للأطفال كثيري الحركة.
مع هذا الانتشار ظهر الوجه الآخر: آلاف حالات التسمم العارض والمقصود، ووفيات بسبب خلطها بالكحول، واعتماد واسع وصفه الأطباء آنذاك بأنه أخطر من إدمان الأفيون في انسحابه. وحين ظهرت البنزوديازيبينات في الستينيات بدت بديلًا أكثر أمانًا، فتراجعت الباربيتورات تدريجيًا حتى اختفت تقريبًا من وصفات الأرق والقلق.
كيف تعمل الباربيتورات في الدماغ؟
تعمل الباربيتورات على مستقبلات «جابا-أ»، وهي البوابات التي يستخدمها الدماغ للتهدئة. حين يرتبط الناقل «جابا» بهذه البوابات تنفتح وتسمح بدخول أيونات الكلوريد، فيهدأ نشاط الخلية. والباربيتورات تطيل مدة انفتاح هذه البوابات، وهذا يفسر أثرها المهدئ والمنوم.
لكن الفرق الحاسم يظهر مع الكميات الكبيرة؛ فالباربيتورات تستطيع عندئذ فتح البوابات بنفسها حتى دون وجود «جابا»، كما تثبط النواقل المنبهة. لا يوجد إذن سقف طبيعي لأثرها: كلما زادت الكمية زاد التثبيط، من النعاس إلى الغيبوبة إلى توقف التنفس. وهنا جوهر اختلافها عن البنزوديازيبينات التي تحتاج وجود «جابا» لتعمل، ولذلك يبقى أثرها منفردة محدودًا نسبيًا.

الاستخدامات الطبية الحالية للباربيتورات
لم تختفِ الباربيتورات من الطب، لكنها انحصرت في مواقف بعينها يقررها الأطباء:
- الصرع: ما زال الفينوباربيتال يُستخدم لبعض أنواع النوبات، خاصة نوبات حديثي الولادة، وفي بعض حالات النوبات المستمرة التي لا تستجيب لأدوية أخرى، وفي دول كثيرة لأنه رخيص ومتاح. وتدرجه منظمة الصحة العالمية ضمن الأدوية الأساسية لعلاج الصرع.
- التخدير: كانت الباربيتورات فائقة القصر من أشهر أدوية بدء التخدير العام، ثم حلت محلها أدوية أحدث في أغلب المستشفيات، وما زال بعضها يُستخدم في مواقف محددة.
- العناية المركزة: تُستخدم أحيانًا لخفض نشاط الدماغ في حالات ارتفاع ضغط المخ أو النوبات المقاومة، داخل وحدات العناية فقط.
- سحب بعض المهدئات أو الكحول: تلجأ بعض بروتوكولات المستشفيات إليها في حالات منتقاة تحت مراقبة لصيقة.
من يتناول الفينوباربيتال لعلاج صرع لا يوقفه ولا يغير كميته إلا مع طبيب الأعصاب، لأن الإيقاف المفاجئ قد يعيد النوبات بصورة أشد.
هامش الأمان الضيق: لماذا تُعد الباربيتورات خطيرة؟
في الطب يُقاس أمان الدواء بالمسافة بين الكمية التي تعالج والكمية التي تؤذي. هذه المسافة في الباربيتورات قصيرة جدًا، فقد تكفي زيادة غير كبيرة فوق الكمية المنومة لتثبيط خطير للتنفس. ويزيد الأمر سوءًا أن التحمل يتطور سريعًا للأثر المنوم والمهدئ، بينما يتطور ببطء أكبر لأثرها على مركز التنفس. فيرفع الشخص الكمية بحثًا عن الأثر القديم، فتقترب الكمية التي يأخذها من الكمية القاتلة دون أن يشعر.
وللباربيتورات مشكلة أخرى: فهي تنشط إنزيمات الكبد، فتسرّع تكسير أدوية أخرى كثيرة وتضعف أثرها، ومنها بعض موانع الحمل وأدوية السيولة، وهو ما يجعل تناولها دون إشراف طبي مخاطرة إضافية.
الجرعة الزائدة من الباربيتورات
تبدأ الجرعة الزائدة بصورة تشبه السكر الشديد: كلام متلعثم، ومشية غير متزنة، ونعاس عميق وتشوش. ثم يتباطأ التنفس، وينخفض ضغط الدم وحرارة الجسم، وقد تظهر فقاعات على الجلد في مواضع الضغط، وينتهي الأمر بغيبوبة وتوقف التنفس. ويتضاعف الخطر مع الكحول أو الأفيونات أو البنزوديازيبينات. وعلى عكس الأفيونات التي يعكس النالوكسون أثرها، لا يوجد مضاد خاص للباربيتورات، فيعتمد العلاج على دعم التنفس والدورة الدموية في المستشفى حتى يتخلص الجسم من الدواء.
اتصل بالإسعاف على 123 فورًا إذا ظهر
الشك في جرعة زائدة من الباربيتورات أو خلطها بالكحول أو المهدئات أو الأفيونات حالة طارئة.
- نعاس عميق أو عدم استجابة عند محاولة الإيقاظ
- تنفس بطيء جدًا أو سطحي أو متوقف
- ازرقاق الشفتين أو برودة الجلد وشحوبه
- كلام متلعثم وفقدان اتزان شديد يشبه السكر
- تشنجات أو فقدان الوعي
لا تحاول إيقاظ الشخص بالماء البارد أو القهوة، ولا تتركه وحده. إن كان فاقد الوعي ويتنفس فضعه على جانبه، وأعطِ المسعفين كل ما تعرفه عما تناوله.
الإدمان والاعتماد على الباربيتورات
تسبب الباربيتورات انشراحًا واسترخاء يشبهان أثر الكحول، وهذا ما جعلها مادة تعاطٍ شائعة في منتصف القرن العشرين. ومع الاستخدام اليومي يتطور التحمل والاعتماد خلال أسابيع. اليوم أصبحت إساءة استخدامها أقل بكثير بعد تراجع وصفها، لكنها لم تختفِ، وقد تظهر حين يحصل شخص على دواء موصوف لقريب مريض بالصرع، أو ضمن خليط من المهدئات.
انسحاب الباربيتورات: لماذا يُعد خطرًا؟
انسحاب الباربيتورات من أخطر أنواع الانسحاب، ويشبه انسحاب الكحول الشديد. بعد الاعتماد عليها قد يسبب التوقف المفاجئ قلقًا وأرقًا ورعشة وتعرقًا وضعفًا، ثم في الحالات الشديدة نوبات تشنج وهذيانًا وهلاوس وارتفاعًا في الحرارة، وقد يهدد الحياة. وتظهر الأعراض أسرع وأشد مع الأنواع قصيرة المفعول. لذلك لا يُسحب هذا الدواء إلا داخل مستشفى، بخطة تقليل تدريجي يضعها الطبيب ويتابعها على مدار الساعة. ويشرح مقال أعراض انسحاب الكحول صورة قريبة من حيث الخطورة.
لماذا حلّت البنزوديازيبينات محل الباربيتورات؟
| وجه المقارنة | الباربيتورات | البنزوديازيبينات |
|---|---|---|
| طريقة العمل | تفتح بوابات جابا بنفسها في الكميات الكبيرة | تحتاج وجود جابا لتعزز أثره |
| هامش الأمان منفردة | ضيق جدًا | أوسع بكثير |
| مضاد خاص للجرعة الزائدة | لا يوجد | يوجد مضاد يستخدمه الأطباء في حالات محددة |
| التداخلات الدوائية | كثيرة بسبب تنشيط إنزيمات الكبد | أقل عمومًا |
| الاستخدام الحالي | محدود في الصرع والتخدير والعناية المركزة | القلق والأرق والتشنجات وسحب الكحول |
لكن «أكثر أمانًا» لا تعني آمنة؛ فالبنزوديازيبينات تسبب هي الأخرى اعتمادًا وانسحابًا خطرًا، وتصبح قاتلة حين تُخلط بالأفيونات أو الكحول. وتجد صورتها الكاملة في دليل البنزوديازيبينات، وأضرارها في أضرار البنزوديازيبينات.
الباربيتورات والقانون
تخضع الباربيتورات دوليًا لرقابة المؤثرات العقلية بدرجات تختلف من نوع لآخر، وفي مصر لا تُصرف إلا بوصفة طبية وتخضع لضوابط صرف خاصة. وتداولها أو حيازتها خارج الإطار الطبي مخالفة قد تعرض صاحبها للمساءلة، بينما يبقى طلب العلاج طوعًا طريقًا آمنًا.
كيف تساعدك ريفيرا لايف؟
إن كان أحد أفراد أسرتك يعتمد على باربيتورات أو على خليط من المهدئات، فالسحب في البيت ليس خيارًا آمنًا. في ريفيرا لايف يقيّم استشاريو الطب النفسي وعلاج الإدمان الحالة بسرية تامة، ويجري السحب داخل المستشفى تحت إشراف طبي على مدار الساعة، مع التنسيق مع طبيب الأعصاب إن كان الدواء موصوفًا لصرع حقيقي. الاستشارة الأولى مجانية على +201507999722.
المزيد من دليل البنزوديازيبينات
- البنزوديازيبينات: الدليل الشامل
- أعراض انسحاب البنزوديازيبينات
- أضرار البنزوديازيبينات
- إدمان الحبوب المنومة
- الفرق بين الفاليوم والريفوتريل: الاستخدام والبقاء والاعتماد والانسحاب
أسئلة يطرحها الكثيرون
نعم، لكن في نطاق محدود، أبرزه الفينوباربيتال لبعض أنواع الصرع، وبعض الاستخدامات في التخدير والعناية المركزة تحت إشراف طبي دقيق.
كلاهما يعمل على مستقبلات جابا، لكن الباربيتورات تستطيع في الكميات الكبيرة تثبيط الدماغ دون سقف، فهامش أمانها أضيق بكثير ولا يوجد مضاد خاص لجرعتها الزائدة.
نعم، الفينوباربيتال من الباربيتورات طويلة المفعول، وهو أكثرها استخدامًا اليوم في علاج بعض أنواع الصرع.
نعم، قد يسبب بعد الاعتماد تشنجات وهذيانًا وارتفاعًا في الحرارة، وقد يهدد الحياة، لذلك يتم السحب داخل المستشفى بإشراف طبي.
لأن الكمية المنومة قريبة من الكمية الخطرة، ولأنها تسبب اعتمادًا سريعًا وتداخلات دوائية كثيرة، فحلّت محلها أدوية أوسع هامشًا في الأمان.