
الكتاتونيا متلازمة تصيب الحركة والكلام والاستجابة معًا: قد يتجمد الشخص في وضعية واحدة لساعات، أو يتوقف عن الكلام والأكل، أو يدخل في هياج حركي بلا هدف واضح. ارتبط اسمها قديمًا بالفصام وحده، لكن الأطباء يعرفون اليوم أنها تظهر أيضًا مع الاكتئاب الشديد واضطراب ثنائي القطب وبعض الأمراض العضوية. الخبر الجيد أن أغلب الحالات تستجيب للعلاج استجابة واضحة، وأحيانًا خلال أيام، إذا شُخّصت مبكرًا. في هذا المقال نشرح علاماتها، ومتى تصبح حالة طارئة، وكيف يتعامل معها الأطباء، والتشخيص في كل الأحوال للطبيب النفسي وحده.
ما هي الكتاتونيا؟
الكتاتونيا (Catatonia)، ويسميها بعض الأطباء «التخشب» أو «الجمود الحركي»، ليست مرضًا مستقلًا بقدر ما هي مجموعة علامات حركية وسلوكية تظهر معًا فوق حالة أخرى. تصف التصنيفات الحديثة مثل DSM-5 وICD-11 الكتاتونيا بوصفها متلازمة قد ترافق اضطرابًا نفسيًا أو حالة طبية، ويُشترط عادة اجتماع ثلاث علامات أو أكثر من قائمة محددة.
الفكرة الأساسية التي تهم الأسرة: الشخص المصاب ليس «عنيدًا» ولا «يمثّل». كثير من المرضى الذين تعافوا يصفون لاحقًا أنهم كانوا يشعرون بخوف شديد أو بعجز عن بدء الحركة رغم رغبتهم فيها، وكأن الجسد لا يطيع.
مع أي حالات تظهر الكتاتونيا؟
هذا ما يميز النظرة الحديثة عن القديمة. الكتاتونيا قد تظهر مع:
- اضطرابات المزاج: الاكتئاب الشديد ونوبات ثنائي القطب من أكثر الأسباب شيوعًا، وتشير بعض المراجع إلى أنها أشيع من الفصام بين المصابين بالكتاتونيا.
- الفصام والاضطرابات الذهانية: كان «الفصام الكتاتوني» نوعًا مستقلًا في التصنيفات القديمة، وشرحنا سبب إلغائه في مقال أنواع الفصام.
- حالات طبية: التهابات الدماغ، ومنها التهاب الدماغ المناعي، ونوبات صرع غير ظاهرة، واضطرابات الأملاح والغدد، وأورام أو إصابات في الدماغ.
- الأدوية والمواد: بعض مضادات الذهان عند أشخاص معرضين، والتوقف المفاجئ عن البنزوديازيبينات، وتعاطي مواد مثل الفينسيكليدين أو جرعات عالية من بعض المخدرات.
- اضطرابات النمو: قد تظهر عند بعض المصابين بطيف التوحد، خاصة في المراهقة.
لذلك لا يكتفي الطبيب بتسمية الكتاتونيا، بل يبحث دائمًا عن السبب الكامن خلفها، لأن علاجه جزء من الخطة.
علامات الكتاتونيا: كيف تبدو على أرض الواقع؟
الذهول
شخص مستيقظ وعيناه مفتوحتان، لكنه لا يتحرك ولا يستجيب للكلام أو اللمس تقريبًا. قد يجلس على طرف السرير منذ الصباح ولم يغيّر جلسته.
الخرس
توقف الكلام كليًا أو شبه كلي، دون سبب عضوي في الحنجرة أو اللسان. أحيانًا يهمس بكلمة واحدة ثم يصمت.
اتخاذ الأوضاع والثبات عليها
يحتفظ الشخص بوضعية غريبة لفترة طويلة، كأن يرفع ذراعه في الهواء أو يبقي رأسه مرفوعًا عن الوسادة كأن تحته «وسادة وهمية». وفي علامة تسمى «المرونة الشمعية» يحرك الطبيب ذراعه فتبقى في الوضع الجديد.
السلبية ورفض الطعام
مقاومة أي محاولة لتحريكه أو إطعامه، أو فعل عكس ما يُطلب منه. وهذه أخطر ما في الحالة جسديًا، لأن رفض الأكل والشرب يقود إلى الجفاف وسوء التغذية.
المحاكاة والتكرار
ترديد كلمات من يتحدث إليه حرفيًا، أو تقليد حركاته، أو تكرار حركة واحدة بلا هدف.
الهياج الكتاتوني
الوجه الآخر للحالة: نشاط حركي مفرط بلا غرض، لا علاقة له بما يحدث حوله، وقد يصاحبه صراخ أو اندفاع يعرّض المريض ومن حوله للإصابة.

الكتاتونيا الخبيثة: حالة طوارئ
في نسبة من الحالات تتطور الكتاتونيا إلى شكل خطير يسمى الكتاتونيا الخبيثة أو القاتلة. هنا لا يقتصر الأمر على الجمود، بل يضطرب الجهاز العصبي اللاإرادي: ترتفع الحرارة، ويتقلب الضغط والنبض، ويتصلب الجسم، وقد يتأثر الوعي. هذا الشكل قد يتدهور خلال أيام ويهدد الحياة، ويحتاج إلى دخول المستشفى فورًا، وأحيانًا إلى العناية المركزة.
ومن الأسباب التي تستدعي الحذر أن بعض صور الكتاتونيا الخبيثة تتشابه مع المتلازمة الخبيثة لمضادات الذهان، وهي مضاعفة نادرة لهذه الأدوية. لذلك يتعامل الأطباء بحذر شديد مع مضادات الذهان أثناء النوبة، ولا يجوز للأسرة إعطاء أي دواء أو إيقافه دون الطبيب.
اطلب مساعدة عاجلة فورًا إذا ظهر
اتصل بالإسعاف على 123 أو توجه إلى أقرب قسم طوارئ إذا كان الشخص متجمدًا أو صامتًا وظهر معه:
- ارتفاع في الحرارة أو تعرق غزير
- تصلب شديد في العضلات أو رعشة
- تسارع النبض أو تقلب الضغط أو صعوبة التنفس
- امتناع عن الأكل والشرب لأكثر من يوم
- تشوش في الوعي أو صعوبة في إيقاظه
- هياج شديد يعرّضه أو يعرّض غيره للأذى
مضاعفات الجمود الطويل
حتى الكتاتونيا غير الخبيثة قد تسبب مشكلات جسدية إذا طالت: جفاف وفشل كلوي، ونقص وزن، وجلطات في أوردة الساقين بسبب قلة الحركة، وتقرحات فراش، والتهاب رئوي إذا دخل الطعام أو اللعاب إلى مجرى التنفس، وانقباضات دائمة في العضلات. هذه المضاعفات هي سبب الإصرار على أن الكتاتونيا لا تُترك «حتى تمر».
كيف تُشخّص الكتاتونيا؟
يعتمد التشخيص أولًا على الملاحظة والفحص السريري، وقد يستخدم الطبيب مقياسًا منظمًا يمر فيه على العلامات واحدة واحدة. ثم يأتي البحث عن السبب:
- تحاليل دم شاملة تشمل الأملاح ووظائف الكلى والكبد والغدة الدرقية، وإنزيم العضلات إذا اشتبه في الشكل الخبيث.
- تخطيط كهربية الدماغ لاستبعاد نوبات الصرع غير الظاهرة.
- تصوير الدماغ في حالات معينة، وأحيانًا فحص السائل النخاعي.
- مراجعة دقيقة للأدوية والمواد التي تناولها المريض في الأسابيع الأخيرة.
وكثيرًا ما يُجري الطبيب اختبارًا علاجيًا بدواء من البنزوديازيبينات تحت المراقبة؛ فتحسن العلامات بعده يدعم التشخيص ويكون في الوقت نفسه بداية العلاج.
علاج الكتاتونيا
البنزوديازيبينات
هي خط العلاج الأول في أغلب الإرشادات، وتستجيب لها نسبة كبيرة من المرضى استجابة واضحة. تُعطى داخل المستشفى بجرعات يحددها الطبيب ويعدلها حسب الاستجابة والتنفس ومستوى الوعي. وهذا استخدام طبي محكوم تمامًا، يختلف عن تعاطي هذه الأدوية خارج الإشراف الذي تحدثنا عنه في دليل البنزوديازيبينات.
الجلسات الكهربائية
إذا لم تتحسن الحالة بالبنزوديازيبينات خلال أيام، أو كانت الكتاتونيا خبيثة، أو كان المريض يرفض الطعام إلى حد يهدد حياته، يلجأ الأطباء إلى العلاج بالجلسات الكهربائية. تُعطى تحت تخدير كامل وبإرخاء للعضلات، وتعد من أكثر العلاجات فعالية في الكتاتونيا، مع نسب استجابة مرتفعة تذكرها المراجع الطبية. أما الصورة المخيفة لهذه الجلسات في الأفلام فلا علاقة لها بطريقتها الحديثة.
الرعاية الداعمة وعلاج السبب
تشمل السوائل والتغذية، والوقاية من الجلطات، وتحريك المريض لتجنب التقرحات، ومتابعة العلامات الحيوية. وبالتوازي يُعالج السبب الأساسي: الاكتئاب، أو نوبة ثنائي القطب، أو الذهان، أو الحالة العضوية. فإذا كانت الكتاتونيا جزءًا من الفصام مثلًا، يُستكمل العلاج بعد السيطرة على النوبة كما في مقال علاج الفصام.
هل يتعافى مريض الكتاتونيا؟
نعم، وهذه من أكثر الرسائل التي تحتاج الأسر إلى سماعها. الكتاتونيا من الحالات النفسية القليلة التي قد يرى فيها الأهل تحسنًا كبيرًا خلال أيام من بدء العلاج الصحيح. الشخص الذي كان متجمدًا وصامتًا قد يجلس ويأكل ويتحدث بعد فترة قصيرة. لكن احتمال عودة النوبة قائم، خاصة إذا لم يُعالج السبب أو توقف العلاج مبكرًا، لذلك تبقى المتابعة ضرورية.
دور الأسرة: ماذا تفعل إذا لاحظت هذه العلامات؟
- لا تفسر الصمت أو الجمود بالعناد أو «الدلع»، ولا تحاول إجباره على الحركة بالقوة.
- سجل متى بدأت العلامات، وهل يأكل ويشرب، وما الأدوية التي يتناولها أو توقف عنها مؤخرًا.
- اطلب تقييمًا نفسيًا عاجلًا في اليوم نفسه، ولا تنتظر أسبوعًا.
- تحدث معه بهدوء حتى لو لم يرد؛ كثير من المرضى يسمعون ويتذكرون ما قيل لهم.
- لا تعطه مهدئات من الصيدلية أو من دواء شخص آخر.
وإذا كان قريبك مصابًا بالفصام فراجع ما يميز علامات الانتكاس عمومًا في مقال أعراض الفصام، لأن الكتاتونيا قد تكون أحد وجوهه.
كيف تساعدك ريفيرا لايف؟
تحتاج الكتاتونيا إلى مكان يجمع الطب النفسي والمتابعة الطبية الدقيقة في الوقت نفسه. في ريفيرا لايف بالشيخ زايد يتابع استشاريو الطب النفسي الحالة على مدار الساعة، مع تقييم السبب الكامن ووضع خطة للوقاية من النوبات التالية، وبرنامج يشرح للأسرة ما حدث وما ينتظرها. الاستشارة الأولى مجانية وسرية على +201507999722.
المزيد من دليل الفصام
- الفصام: الدليل الشامل
- أعراض الفصام: العلامات المبكرة والذهانية
- الاكتئاب الذهاني
- علاج الفصام: الدواء والتأهيل ومنع الانتكاس
أسئلة يطرحها الكثيرون
لا. هي متلازمة قد تظهر مع الفصام، لكنها تظهر أيضًا مع الاكتئاب الشديد وثنائي القطب وأمراض عضوية في الدماغ أو الجسم، ولذلك يبحث الطبيب دائمًا عن السبب.
كثير من المرضى يتذكرون لاحقًا ما دار حولهم، لذلك يُنصح بالتحدث إليهم بهدوء واحترام حتى لو لم يردوا.
تختلف المدة من مريض لآخر، لكن كثيرًا من الحالات تتحسن بوضوح خلال أيام من بدء العلاج المناسب في المستشفى.
تُعطى تحت تخدير كامل وإشراف طبي، وتعد من أكثر العلاجات فعالية في الحالات الشديدة أو التي لم تستجب للدواء. يناقش الطبيب فوائدها ومخاطرها مع الأسرة قبل البدء.
قد تعود، خاصة إذا لم يُعالج السبب الأساسي أو توقف العلاج مبكرًا، لذلك تبقى المتابعة المنتظمة مع الطبيب النفسي مهمة.