
إذا سألت عن أنواع الفصام فستجد إجابتين: الأولى قديمة تتحدث عن خمسة أنواع أشهرها الفصام البارانويدي، والثانية حديثة تقول إن هذه الأنواع أُلغيت. كلتاهما صحيحة في زمنها. فقد استخدم الأطباء الأنواع الفرعية لعقود، ثم أسقطها الدليل التشخيصي الأمريكي في إصداره الخامس عام 2013، وتبعه التصنيف الدولي للأمراض في إصداره الحادي عشر. يشرح هذا المقال الأنواع القديمة ولماذا تخلى عنها الطب، وكيف يصف الأطباء الفصام اليوم، وما الاضطرابات القريبة منه في ما يسمى طيف الفصام.
لماذا قُسّم الفصام إلى أنواع في الأصل؟
منذ وصف الطب النفسي هذا المرض في أواخر القرن التاسع عشر لاحظ الأطباء أن المرضى لا يتشابهون. بعضهم تسيطر عليه أفكار الاضطهاد بينما يبدو كلامه مرتبًا، وبعضهم يتكلم كلامًا مفككًا ويضحك في غير موضع، وآخرون يتجمدون في أوضاع غريبة لساعات. فكان من الطبيعي أن تُوضع لهذه الصور أسماء، أملًا في أن يكون لكل منها سبب أو علاج أو مسار مختلف. وقد عاشت هذه الأسماء طويلًا، ولا يزال كثير من الناس، وبعض التقارير الطبية القديمة، يستخدمونها حتى اليوم.
الأنواع الخمسة في التصنيف القديم
اعتمد الإصدار الرابع من الدليل التشخيصي الأمريكي خمسة أنواع فرعية، تُحدد بحسب الأعراض الأبرز وقت التقييم:
الفصام البارانويدي (الزوراني)
تغلب عليه ضلالات الاضطهاد أو العظمة والهلاوس السمعية، مع احتفاظ نسبي بترتيب الكلام والسلوك والتعبير العاطفي. كان يُعد أشيع الأنواع، وكثيرًا ما يبدأ في سن متأخرة نسبيًا مقارنة بغيره.
الفصام غير المنتظم (الهيبيفريني)
يغلب عليه الكلام المفكك والسلوك غير المنظم والانفعال المسطح أو غير المناسب للموقف، كأن يضحك الشخص عند سماع خبر حزين. يبدأ عادة أبكر، ويؤثر بقوة في الأداء اليومي.
الفصام التخشبي (الكتاتوني)
تسيطر عليه اضطرابات الحركة: جمود تام، أو حركة زائدة بلا هدف، أو صمت، أو مقاومة غير مبررة لأي تعليمات، أو ترديد كلام الآخرين وحركاتهم.
الفصام غير المميز
يُستخدم حين تنطبق معايير الفصام لكن الأعراض لا تميل بوضوح إلى أي نوع من الأنواع الثلاثة السابقة.
الفصام المتبقي
يوصف به من مر بنوبة سابقة ولم تعد لديه أعراض إيجابية بارزة، لكن بقيت أعراض سلبية أو أفكار غريبة خفيفة.
وأضاف التصنيف الدولي العاشر نوعين لم يردا في الدليل الأمريكي: الفصام البسيط الذي تتطور فيه الأعراض السلبية تدريجيًا دون نوبات ذهانية واضحة، واكتئاب ما بعد الفصام.

لماذا أُلغيت الأنواع الفرعية؟
لم يُلغَ التقسيم لأن الصور التي يصفها غير حقيقية، فهي موجودة بالفعل لدى المرضى، بل لأنه لم يحقق ما وُضع من أجله. أسباب ذلك باختصار:
- عدم الثبات: المريض الواحد قد يُشخَّص بالنوع البارانويدي في نوبة وبغير المنتظم في نوبة أخرى، وكثيرًا ما تتداخل الأعراض.
- ضعف الاتفاق بين الأطباء: كثيرًا ما اختلف طبيبان على نوع المريض نفسه.
- قلة القيمة العملية: لم يساعد النوع كثيرًا في اختيار الدواء أو توقع الاستجابة له.
- الاستعمال الواسع لنوع «غير مميز»: نسبة كبيرة من المرضى لم تكن تنطبق عليهم الأنواع المحددة أصلًا.
كيف يصف الأطباء الفصام اليوم؟
بدل وضع المريض في خانة واحدة، يقيّم الطبيب شدة كل مجموعة من الأعراض على حدة. يقترح الدليل الأمريكي الخامس ثمانية أبعاد تُقدَّر كل منها على مقياس من صفر إلى أربعة: الهلاوس، والضلالات، والكلام غير المنتظم، والسلوك الحركي غير الطبيعي، والأعراض السلبية، وضعف الوظائف المعرفية، والاكتئاب، والهوس.
النتيجة صورة أدق: مريض قد تكون ضلالاته شديدة وأعراضه السلبية خفيفة، وآخر بالعكس، وكل منهما يحتاج تركيزًا علاجيًا مختلفًا. ويضيف الطبيب وصفًا لمسار المرض بعد مرور عام على بدايته: نوبة أولى أو نوبات متعددة أو مسار مستمر، وهل الحالة الآن في نوبة حادة أو تحسن جزئي أو تحسن كامل. ويمكن أيضًا إضافة عبارة «مع تخشب» إذا ظهرت أعراض الكتاتونيا.
الفصام في التصنيف الدولي الحادي عشر
اتخذ التصنيف الدولي للأمراض في إصداره الحادي عشر، الذي دخل حيز التطبيق عام 2022، الاتجاه نفسه. أُلغيت الأنواع الفرعية، وحلّت محلها محددات لأبرز مظاهر الأعراض: إيجابية، أو سلبية، أو اكتئابية، أو هوسية، أو حركية نفسية، أو معرفية. ومحددات أخرى للمسار: نوبة أولى، أو نوبات متعددة، أو مستمر، مع بيان الحالة الراهنة. ولأن هذا التصنيف هو المرجع الرسمي لمنظمة الصحة العالمية، فإن التقارير الطبية الحديثة تتجه تدريجيًا إلى هذه الصياغة.
طيف الفصام والاضطرابات الذهانية الأخرى
يضع الطب الحديث الفصام داخل عائلة من الاضطرابات المتقاربة. أهم ما يفرق بينها مدة الأعراض وطبيعتها، كما في الجدول:
| الاضطراب | المدة | السمة المميزة |
|---|---|---|
| الاضطراب الذهاني الوجيز | من يوم إلى أقل من شهر | أعراض ذهانية مفاجئة تزول مع عودة كاملة لمستوى الأداء السابق |
| الاضطراب الفصامي الشكل | من شهر إلى أقل من ستة أشهر | أعراض تشبه الفصام لكن مدتها أقصر، وقد يتحول لاحقًا إلى فصام |
| الفصام | ستة أشهر أو أكثر | أعراض ذهانية مع تراجع في الأداء، وغالبًا أعراض سلبية |
| اضطراب الفصام العاطفي | متغيرة | نوبات مزاجية كبرى تتزامن مع الذهان، مع فترة ذهان أسبوعين على الأقل دون أعراض مزاجية |
| الاضطراب الضلالي | شهر أو أكثر | ضلالة أو أكثر دون هلاوس بارزة، والأداء اليومي محفوظ نسبيًا |
| اضطراب الشخصية الفصامية | نمط ممتد منذ الشباب | غرابة في الأفكار والسلوك وقلق اجتماعي دون ذهان مستمر |
| الذهان الناتج عن مادة أو دواء | مرتبط بالتعاطي أو الانسحاب | يتحسن عادة بعد التوقف عن المادة |
| الذهان الناتج عن حالة طبية | مرتبط بالمرض العضوي | يتحسن بعلاج السبب، مثل بعض أمراض الدماغ والغدد |
هذا التمييز ليس لغويًا فقط. فالشاب الذي مر بنوبة ذهانية أسبوعين بعد ضغط شديد، ثم عاد كما كان، يختلف تشخيصه ومتابعته عمن استمرت أعراضه سنة. ومن تعاطى منشطات قبل النوبة يحتاج تقييمًا للمادة أولًا، كما نوضح في صفحة الميثامفيتامين.
مصطلحات لا تزال تُستخدم
رغم إلغاء الأنواع الفرعية، ستسمع من الأطباء مصطلحات وصفية مفيدة لا تُعد أنواعًا رسمية:
- الفصام المقاوم للعلاج: حين لا تتحسن الأعراض بدرجة كافية بعد تجربة دواءين مختلفين على الأقل من مضادات الذهان بجرعة ومدة مناسبتين. لهذه الحالة خيارات علاجية خاصة نشرحها في علاج الفصام.
- الفصام المبكر البداية: حين تبدأ الأعراض قبل سن الثامنة عشرة، ويُسمى فصام الطفولة إذا بدأ قبل الثالثة عشرة، وهو نادر.
- الفصام متأخر البداية: حين تظهر الأعراض بعد الأربعين، وهو أكثر شيوعًا عند النساء، وتغلب فيه الضلالات عادة.
- الذهان الأول: وصف لأول نوبة ذهانية قبل أن يتضح التشخيص النهائي، وله برامج تدخل مبكر خاصة.
هل يغير التصنيف خطة العلاج؟
يغيرها بقدر ما يعكس احتياجات المريض الفعلية، لا بقدر الاسم. فمن تغلب عليه الضلالات والهلاوس يحتاج تركيزًا على ضبط الدواء، ومن تغلب عليه الأعراض السلبية والمعرفية يحتاج اهتمامًا أكبر بالتأهيل والتدريب على المهارات. والتخشب حالة لها علاج خاص وعاجل. أما اضطراب الفصام العاطفي فيضيف إلى مضاد الذهان دواءً لتثبيت المزاج أو علاج الاكتئاب في كثير من الحالات، والذهان الناتج عن مادة يبدأ علاجه بإيقافها وعلاج الإدمان.
أين تقع الهلاوس من هذا الطيف؟
الهلاوس عرض وليست تشخيصًا. قد تظهر في الفصام، وفي اضطرابات المزاج، وفي الذهان الناتج عن المخدرات، وفي أمراض عضوية، بل قد تحدث أحيانًا مع الحرمان الشديد من النوم أو الحزن العميق دون أي اضطراب ذهاني. لذلك يحتاج من يسمع أصواتًا إلى تقييم يحدد مكانه الحقيقي على هذه الخريطة. وتجد تفصيل أنواع الهلاوس في مقال أنواع الهلوسة، والعلامات التي تراها الأسرة في أعراض الفصام.
ماذا تفعل إذا وجدت تشخيصًا قديمًا في تقرير طبي؟
إذا كان في تقرير قريبك عبارة مثل «فصام بارانويدي» فلا يعني ذلك خطأً في التشخيص، بل استخدامًا لتصنيف أقدم. اسأل الطبيب المعالج عن الأعراض الأبرز الآن وعن مسار الحالة، فهذا ما يحدد الخطة. وفي ريفيرا لايف يمكنك عرض التقارير السابقة على استشاري طب نفسي في استشارة أولى مجانية وسرية لمراجعة التشخيص بالمعايير الحالية.
المزيد من دليل الفصام
- الفصام: الدليل الشامل
- أعراض الفصام وعلاماته المبكرة
- أسباب الفصام وعوامل الخطورة
- علاج الفصام وخطة منع الانتكاس
- الكتاتونيا: علامات التخشب وأسبابه والكتاتونيا الخبيثة والعلاج
- الاضطراب الفصامي العاطفي: الأعراض والأنواع والفرق عن الفصام
- الاضطراب الوهامي: أنواع الضلالات والفرق عن الفصام والعلاج
- الفرق بين الذهان والفصام: عَرَض أم مرض وكيف يحدد الطبيب السبب؟
أسئلة يطرحها الكثيرون
في التصنيف القديم خمسة أنواع: البارانويدي وغير المنتظم والتخشبي وغير المميز والمتبقي. أما التصنيفات الحديثة فألغت الأنواع الفرعية وتصف المريض بشدة كل مجموعة أعراض لديه.
لا يوجد نوع أخطر بالاسم. الخطورة تحددها شدة الأعراض ووجود أفكار إيذاء أو تخشب أو تعاطٍ مصاحب، والالتزام بالعلاج، لا التسمية.
لم يعد نوعًا رسميًا في الدليل الأمريكي الخامس ولا في التصنيف الدولي الحادي عشر، لكن الصورة التي يصفها، أي غلبة الضلالات والهلاوس، ما زالت موجودة وتُوصف اليوم بأبعاد الأعراض.
في اضطراب الفصام العاطفي تتزامن نوبات اكتئاب أو هوس كبرى مع الأعراض الذهانية لجزء كبير من مدة المرض، مع فترة ذهان دون أعراض مزاجية. في الفصام قد توجد أعراض مزاجية لكنها لا تكون بهذا الحجم.
كثير من حالات الذهان الوجيز تنتهي بعودة كاملة ولا تتكرر، وبعضها يتطور لاحقًا إلى اضطراب آخر من الطيف. لذلك تُنصح المتابعة النفسية بعد أي نوبة ذهانية.