
اضطراب المرض المفتعل حالة نفسية يختلق فيها الشخص أعراض مرض أو يتسبب فيها عمدًا، ثم يقدم نفسه للأطباء كمريض حقيقي، من دون أن يكون وراء ذلك مكسب ظاهر كمال أو إجازة. وقد يحدث الأمر مع النفس، وقد يحدث مع شخص آخر يقع تحت رعاية المفتعل، وغالبًا طفل، وهو ما كان يُسمى «متلازمة مونشاوزن بالوكالة». الحالة نادرة لكنها خطيرة، لأن صاحبها قد يتعرض لعمليات وإصابات حقيقية، ولأن الطفل المعرَّض لها يحتاج حماية عاجلة. نشرح هنا معناها وأنواعها وكيف تختلف عن التظاهر وعن القلق الصحي، وكيف يتصرف الأطباء والأسرة.
ما هو اضطراب المرض المفتعل؟
جوهر الاضطراب أن الشخص يزوّر الأعراض أو يصنعها بطريقة خفية، بقصد أن يُنظر إليه كمريض أو مصاب. الدافع في الغالب نفسي داخلي: الحاجة إلى الاهتمام والرعاية وإلى دور المريض الذي يُعتنى به. وهو ليس سلوكًا يمكن إيقافه بقرار، رغم أن الفعل نفسه يتم عن قصد.
ولهذا يصنفه الدليل التشخيصي ضمن «اضطرابات الأعراض الجسدية والاضطرابات المرتبطة بها»، ويقسمه إلى نوعين: مفتعل مفروض على النفس، ومفتعل مفروض على الآخر.
مفروض على النفس: كيف يظهر؟
يرتبط هذا النوع بنمط من الشخصية قد يعرفه الأطباء العاملون في المستشفيات: مريض تتكرر زياراته للطوارئ بأعراض درامية، وتاريخ طبي طويل ومعقد يدور في مستشفيات عديدة، ومعرفة واسعة بالمصطلحات الطبية، وأعراض تتبدل أو تزداد كلما أوشكت الفحوص على أن تأتي سليمة. وقد يتخذ الافتعال صورًا متعددة، منها الإبلاغ عن أعراض غير موجودة، أو تزييف نتائج، أو إيذاء الجسد بطرق تُحدث علامات مرضية.
لا نذكر هنا طرق الافتعال تفصيلًا، فالمقصود التعريف لا التعليم. ويكفي أن نقول إن نتائج هذا السلوك قد تكون إصابات حقيقية أو عدوى أو مضاعفات جراحية، وقد تهدد الحياة.
مفروض على الآخر: حين يكون الضحية طفلًا
في هذا النوع يختلق شخص أعراضًا لدى شخص آخر ليس قادرًا على الدفاع عن نفسه، وأكثر الحالات المعروفة أم أو مقدمة رعاية تفتعل مرضًا لطفلها. الدافع أيضًا ليس المال، بل الحصول على دور «الأم المضحية» وعلى اهتمام الفريق الطبي. ويُعد هذا شكلًا من إساءة معاملة الأطفال الطبية، والضحية هو الطفل لا المفتعل.
بعض الأمور التي قد تلفت انتباه الفريق الطبي، ولا تدل منفردة على شيء:
- أعراض لا تتناسب مع نتائج الفحوص ولا تتحسن بالعلاج المناسب.
- أعراض تظهر فقط مع وجود مقدم الرعاية وتختفي في غيابه.
- تاريخ طويل من الزيارات لمستشفيات ومراكز مختلفة وطلب فحوص وعمليات كثيرة.
- مقدم رعاية شديد الحضور والمعرفة بالتفاصيل الطبية، ويرفض خروج الطفل أو أي تقييم مستقل.
الحكم في مثل هذه الحالات ليس شأن الأقارب ولا يُترك للاتهام المتسرع؛ فكثير من الآباء القلقين أو الذين لديهم طفل مريض بمرض نادر يبدون هذه السمات دون أي افتعال. القرار يعود لفريق طبي مدرب وجهات حماية الطفل.

الفرق عن التظاهر وتوهم المرض والأعراض النفسجسمية
| الحالة | هل الأعراض مختلقة عمدًا؟ | الدافع |
|---|---|---|
| اضطراب المرض المفتعل | نعم | نفسي داخلي: دور المريض والاهتمام |
| التظاهر بالمرض | نعم | مكسب خارجي واضح كالتعويض أو التهرب |
| توهم المرض | لا | خوف حقيقي من أن لديه مرضًا |
| الأمراض النفسجسمية | لا | أعراض حقيقية يغذيها الضغط النفسي |
وللتمييز بينه وبين الأعراض العصبية الوظيفية غير المقصودة، اقرأ مقال الاضطراب التحويلي. ويتشابه الاضطرابان في أن الأعراض غير مفسرة طبيًا، ويختلفان في أن الافتعال قصدي بينما التحويلي ليس كذلك.
لماذا يحدث؟ عوامل مرجحة
لا يعرف الأطباء سببًا واحدًا. تذكر الدراسات والتقارير السريرية عوامل متكررة لدى بعض المصابين، دون أن تكون حتمية:
- طفولة فيها إهمال أو إساءة أو أمراض كثيرة جعلت المرض الطريق الوحيد لنيل الحنان.
- تجارب مرض شديد في الصغر أو دخول مستشفى مطول.
- العمل في المجال الصحي أو معرفة قريبة بالنظام الطبي.
- اضطرابات في الشخصية أو الهوية وضعف في تقدير الذات.
- علاقات مضطربة وشعور بالفراغ والوحدة.
ثمن الافتعال على الجسد والحياة
يظن بعض الناس أن الأمر «مجرد استعراض»، لكن حصيلته ثقيلة. فالمريض المفتعل يخضع لفحوص تدخلية وعمليات قد لا يحتاجها، وتتراكم عليه آثار الأدوية والتخدير والعدوى، وقد يفقد وظيفته وعلاقاته لأن الأسرة تنهك من نوباته المتكررة. وكثيرًا ما يدفع النظام الصحي ثمنًا كبيرًا في وقت الأطباء وأسرّة المستشفى وهو لا يدري أن وراء كل هذا ألمًا نفسيًا.
أما في النوع المفروض على الآخر، فتشير التقارير الطبية إلى أن بعض الأطفال يتعرضون لمضاعفات دائمة، ولهذا يتعامل الأطباء معه كحالة إساءة تستوجب التدخل لا كمجرد خلاف في الرأي حول العلاج.
كيف يُشخَّص؟
التشخيص صعب لأن الاضطراب قائم على الإخفاء، فلا يعترف صاحبه عادة. يبدأ الأمر عند الأطباء بالشك حين لا تتطابق القصة مع النتائج، فيُجمع التاريخ الطبي من المصادر المختلفة ويُستبعد أولًا كل سبب عضوي حقيقي. وينبغي أن يكون الاستنتاج بعد جمع أدلة كافية لا بالظن، فاتهام مريض حقيقي بالافتعال خطأ جسيم. ويشارك طبيب نفسي في التقييم.
العلاج: دعم لا مواجهة عنيفة
تثبت الخبرة أن المواجهة القاسية بعبارة «أنت تكذب» تدفع المريض إلى الهرب إلى مستشفى آخر، فيتكرر الدرس. لذلك يميل المختصون إلى أسلوب هادئ غير اتهامي يؤمّن للمريض مخرجًا يحفظ كرامته، ويعرض عليه مساعدة نفسية دون أن يضطر إلى الاعتراف. وتشمل الخطة:
- العلاج النفسي: بالمنهج المعرفي السلوكي والعلاج الذي يعمل على الهوية والعلاقات والتعلق، ويساعد المريض على إيجاد طرق أخرى للحصول على الرعاية.
- علاج الاضطرابات المصاحبة: كالاكتئاب والقلق واضطرابات الشخصية، وقد يصف الطبيب دواءً لها ولا يغيره إلا بإشرافه. لا يوجد دواء يعالج الافتعال نفسه.
- تنسيق الرعاية: طبيب واحد أو فريق واحد يتولى المتابعة لتقليل تكرار الفحوص والجراحات غير الضرورية.
- في النوع المفروض على الآخر: الأولوية القصوى فصل الطفل عن مصدر الخطر وحمايته، ثم علاج مقدم الرعاية بإشراف نفسي وقانوني.
التحسن ممكن لكنه بطيء، ويتوقف على أن يقبل المريض العلاج. وتزيد فرصة النجاح كلما شعر بأنه مفهوم لا مُدان. للتعرف على العلاج المعرفي يمكنك قراءة مقال العلاج السلوكي المعرفي.
إذا شككت في أن طفلًا يتعرض لهذا
- لا تواجه مقدم الرعاية بنفسك ولا تتهمه أمام الطفل.
- سجل ما لاحظته بهدوء: تواريخ ومواقف وتناقضات، دون استنتاجات.
- أبلغ طبيب الطفل أو إدارة المستشفى أو الجهات المختصة بحماية الطفل.
- إذا كان الطفل في خطر مباشر فاتصل بالإسعاف فورًا.
اتصل بالإسعاف على 123 فورًا إذا ظهر
اضطراب المرض المفتعل قد يهدد الحياة، ولا تنتظر موعد العيادة إذا بدت إحدى العلامات التالية.
- طفل في حالة سيئة فجأة مع شك في أن أحدًا تسبب فيها
- شخص ألحق بنفسه أذى جسديًا أو حقن أو تناول شيئًا بقصد إحداث مرض
- صعوبة في التنفس أو نزيف أو فقدان وعي أو ألم شديد
- أفكار عن إنهاء الحياة، ويمكن الاتصال أيضًا بالخط الساخن للصحة النفسية 16328
متى تطلب مساعدة نفسية؟
إذا وجدت نفسك تختلق أو تضخم أعراضًا لتنال اهتمام الأطباء أو أهلك، فاعلم أن هذا لا يجعلك شريرًا، بل يدل على حاجة عميقة تحتاج علاجًا. الحديث الصادق مع طبيب نفسي هو أول خطوة، وهو محكوم بالسرية الطبية. وفي ريفيرا لايف يقيّم استشاريو الطب النفسي مثل هذه الحالات بسرية تامة ودون أحكام، والاستشارة الأولى مجانية. اقرأ أيضًا متى تحتاج طبيبًا نفسيًا.
المزيد من دليل الأعراض الجسدية النفسية
- الاضطراب التحويلي: أعراض عصبية بلا مرض عضوي
- توهم المرض: حين يتحول القلق على الصحة إلى اضطراب
- الأمراض النفسجسمية
- اضطرابات الشخصية: الدليل الشامل
أسئلة يطرحها الكثيرون
في الاثنين يكون الاختلاق مقصودًا، لكن المتظاهر يسعى لمكسب خارجي كتعويض أو إجازة، بينما المفتعل دافعه نفسي داخلي هو دور المريض والاهتمام.
يختلق فيه شخص أعراضًا لدى آخر يرعاه، وغالبًا طفل، ويُعد شكلًا من إساءة معاملة الأطفال تستوجب حماية الطفل أولًا.
نعم، الفعل يتم عن قصد، لكن الدافع نفسي عميق والمصاب كثيرًا ما لا يستطيع إيقافه بقرار فقط.
نعم، العلاج النفسي بأسلوب داعم غير اتهامي وعلاج الاضطرابات المصاحبة وتنسيق الرعاية الطبية، ولا يوجد دواء للافتعال نفسه.
لا تواجه مقدم الرعاية بنفسك، ودوّن ما لاحظته وأبلغ طبيب الطفل أو إدارة المستشفى أو جهات حماية الطفل، وإن كان في خطر مباشر فاتصل بالإسعاف.