
أسباب الهلوسة كثيرة إلى حد أن العرَض الواحد قد يقود الطبيب إلى طب النفس أو الأعصاب أو الباطنة أو العيون. فقد تنشأ من اضطراب نفسي كالفصام أو الهوس، أو من مرض عصبي كباركنسون والخرف والصرع، أو من مخدر أو انسحاب الكحول، أو من حرمان طويل من النوم، أو من عدوى وحمى عند طفل أو مسن، أو حتى من فقدان البصر.
يجمع هذا المقال تلك الأسباب في عائلات واضحة، ويشرح كيف يصنع الدماغ إحساسًا لا وجود له، وما العوامل التي ترفع احتمال ظهوره. ولا يغني شيء من ذلك عن التقييم الطبي، فهو وحده ما يحدد السبب عند شخص بعينه.
كيف يصنع الدماغ هلوسة؟
الدماغ لا يستقبل العالم كما هو، بل يبني صورته باستمرار من خليط بين ما تنقله الحواس وما يتوقعه هو بناءً على خبرته. في الأحوال العادية يصحح الواقع توقعات الدماغ لحظة بلحظة. أما حين يختل هذا التوازن، فإن التوقعات الداخلية تتغلب على الإشارات الحقيقية، فيُقدَّم صوت داخلي أو صورة مخزنة على أنها قادمة من الخارج.
وهذا الاختلال يمكن أن يأتي من جهات مختلفة: زيادة نشاط الدوبامين في دوائر معينة كما في الذهان وتعاطي المنشطات، أو اضطراب السيروتونين كما مع المهلوسات، أو تعطيل مستقبلات الجلوتامات كما مع الكيتامين، أو نقص مادة الأسيتيل كولين كما في بعض أنواع الخرف، أو انقطاع المدخلات الحسية نفسها كما عند فقدان البصر، فتملأ مناطق الإبصار الفراغ بصور من صنعها.
أسباب نفسية
الاضطرابات النفسية أشهر أسباب الهلوسة لكنها ليست الوحيدة. أبرزها:
- الفصام وطيف الذهان: الهلاوس السمعية هنا هي الأكثر شيوعًا، وغالبًا أصوات تعلّق على تصرفات الشخص أو تتحاور عنه أو تأمره. نشرح هذا الاضطراب في دليل الفصام.
- الاضطراب الذهاني الوجيز: نوبة قصيرة قد تعقب ضغطًا شديدًا مفاجئًا، وتستمر أقل من شهر.
- الهوس الشديد: في بعض نوبات اضطراب ثنائي القطب تظهر هلاوس تتسق غالبًا مع المزاج المرتفع، كصوت يؤكد للشخص أنه مختار لمهمة عظيمة.
- الاكتئاب الشديد المصحوب بأعراض ذهانية: تكون الأصوات فيه عادة قاسية تلوم صاحبها أو تحقّره، وتُعد هذه الصورة حالة تحتاج تدخلًا سريعًا. انظر دليل الاكتئاب.
- ذهان ما بعد الولادة: حالة نادرة لكنها طارئة، تبدأ عادة في الأسابيع الأولى بعد الولادة.
- اضطراب ما بعد الصدمة: قد يعيش بعض المصابين لحظات استرجاع حية جدًا للحدث، وقد يسمع بعضهم أصواتًا مرتبطة به.

المخدرات والمهلوسات
تختلف المواد في الطريقة التي تُحدث بها الهلوسة، وفي نوع الهلوسة نفسها:
- المهلوسات الكلاسيكية: مثل مخدر الورق (LSD) والفطر المهلوس، وتُحدث غالبًا تشوهات بصرية وتداخلًا بين الحواس. وقد يعود لبعض المتعاطين وميض من هذه الاضطرابات بعد التوقف بأسابيع أو أشهر. التفاصيل في صفحة مخدر الورق.
- المخدرات التفارقية: مثل الكيتامين، وتمنح إحساسًا بالانفصال عن الجسد وتشوهًا في الإحساس بالزمن والمكان.
- المنشطات: مثل الميثامفيتامين المعروف بالشبو والآيس، والكوكايين. مع الجرعات العالية أو أيام السهر المتواصل قد يظهر ذهان بأصوات وريبة وإحساس بحشرات تزحف تحت الجلد. انظر صفحة الميثامفيتامين.
- الحشيش: خاصة الأنواع عالية التركيز والتعاطي المبكر الكثيف، وقد يثير نوبة ذهانية لدى من لديهم استعداد. التفاصيل في صفحة الحشيش.
- المخدرات المصنعة: مثل الأستروكس والفودو، وتركيبها غير معروف وتأثيرها غير متوقع، وقد تُحدث هياجًا وهلاوس حادة.
الانسحاب من الكحول والمهدئات
المفارقة أن التوقف عن مادة قد يسبب هلوسة كما يسببها تعاطيها. عند من اعتاد الشرب الكثيف لفترة طويلة، قد تظهر الهلاوس خلال يوم إلى يومين تقريبًا من آخر كأس، وكثيرًا ما تكون بصرية أو لمسية، وأحيانًا أصواتًا مع وعي صافٍ نسبيًا. وفي الحالات الأشد قد يتطور الانسحاب إلى الهذيان الارتعاشي بعد يومين إلى أربعة أيام تقريبًا، بتشوش وحرارة ورعشة واضطراب في النبض، وهي حالة طبية خطيرة. تفاصيل التسلسل الزمني في مقال أعراض انسحاب الكحول. والانسحاب المفاجئ من المهدئات من فئة البنزوديازيبينات بعد استخدام طويل قد يسلك طريقًا مشابهًا.
أسباب عصبية
عندما تبدأ الهلوسة بعد منتصف العمر، أو تكون بصرية في الأساس، يفكر الطبيب في الجهاز العصبي أولًا:
- خرف أجسام ليوي: الهلاوس البصرية المتكررة المفصلة من علاماته المميزة، وكثيرًا ما تكون صورًا لأشخاص أو حيوانات صغيرة.
- مرض باركنسون: تظهر الهلاوس مع تقدم المرض، وقد تزيدها بعض أدوية علاجه التي ترفع الدوبامين.
- ألزهايمر وأنواع الخرف الأخرى: خاصة في المراحل المتقدمة.
- الصرع: نوبات الفص الصدغي قد تبدأ برائحة كريهة مفاجئة أو طعم غريب أو إحساس بأن المشهد مألوف بشكل غير طبيعي.
- الصداع النصفي: قد تسبقه أنماط بصرية لامعة متعرجة تتحرك في مجال الرؤية، وتزول عادة خلال أقل من ساعة.
- إصابات الدماغ: الأورام والسكتات وإصابات الرأس، خاصة إذا جاءت الهلوسة مع ضعف أو صداع جديد.
النوم: حين يتسلل الحلم إلى اليقظة
الصور والأصوات الخاطفة لحظة الدخول في النوم أو الخروج منه شائعة عند الأصحاء، كأن تسمع من يناديك باسمك وأنت تغفو. ويرتبط بها شلل النوم، حين يستيقظ العقل قبل أن تستعيد العضلات حركتها، فيشعر الشخص بحضور أحد في الغرفة أو بثقل على صدره لثوانٍ مخيفة. وتتكرر هذه التجارب أكثر في النوم القهري (narcolepsy)، وفي الحرمان الشديد من النوم؛ فبعد أيام قليلة متواصلة دون نوم كافٍ قد يبدأ أي شخص في رؤية حركة على أطراف مجال الرؤية أو سماع أصوات.
أسباب طبية عامة والهذيان
الهذيان حالة تشوش حاد تظهر خلال ساعات أو أيام، يضطرب فيها الانتباه والوعي، وتكثر فيها الهلاوس البصرية. وهو من أهم أسباب الهلوسة عند كبار السن والمرضى في المستشفيات، ومن أسبابه:
- العدوى والحمى الشديدة، ومنها التهاب المسالك البولية والتهاب الصدر عند المسنين.
- الجفاف واضطراب الأملاح، خاصة الصوديوم.
- هبوط السكر الشديد، واضطرابات الغدة الدرقية.
- فشل الكبد أو الكلى وتراكم السموم في الدم.
- التهاب الدماغ أو السحايا.
- ما بعد العمليات الكبيرة والتخدير والإقامة الطويلة في العناية المركزة.
والأدوية فصل قائم بذاته: أدوية باركنسون، والأدوية ذات التأثير المضاد للكولين، والكورتيزون بجرعات مرتفعة، وبعض المسكنات الأفيونية والمنومات، كلها قد تسبب هلوسة لدى بعض المرضى، ويزيد الاحتمال مع كبر السن وكثرة الأدوية معًا.
فقدان الحواس
عندما يفقد إنسان معظم بصره بسبب التنكس البقعي أو الجلوكوما أو اعتلال الشبكية السكري، قد يبدأ في رؤية أشكال وألوان، بل وجوه وأشخاص ومناظر كاملة، مع معرفته في الغالب بأنها غير حقيقية. هذه متلازمة شارل بونيه، وهي ليست مرضًا نفسيًا ولا علامة على خرف. وبطريقة مشابهة قد يسمع بعض من فقدوا جزءًا كبيرًا من سمعهم موسيقى أو أغاني مألوفة لا مصدر لها.
الحزن والعزلة والضغط الشديد
ليس كل سبب مرضًا. بعد وفاة شريك الحياة أو أحد الوالدين، يسمع كثير من المفجوعين صوت الراحل أو يشمون رائحته أو يحسون بحضوره، وغالبًا ما تحمل هذه التجارب مواساة أكثر مما تحمل خوفًا، وتخف مع مرور الوقت. كذلك قد تظهر هلاوس عابرة في ظروف العزلة الطويلة أو الإنهاك الجسدي الشديد. الذي يستدعي التقييم هنا هو أن تصبح التجربة مزعجة أو متكررة أو مصحوبة بأعراض أخرى.
عوامل ترفع احتمال الهلوسة
بعض الظروف لا تسبب الهلوسة وحدها، لكنها تجعل ظهورها أسهل:
- كبر السن، خاصة مع ضعف البصر أو السمع وكثرة الأدوية.
- وجود قريب من الدرجة الأولى مصاب باضطراب ذهاني.
- تعاطي المخدرات، خاصة في سن المراهقة، أو الشرب الكثيف المزمن.
- قلة النوم المزمنة وورديات العمل الليلية المتواصلة.
- التعرض لصدمات قاسية في الطفولة أو الكبر.
- الأمراض المزمنة التي تمس الكبد أو الكلى أو الدماغ.
- العزلة الاجتماعية الطويلة.
كيف يميز الطبيب بين الأسباب؟
هناك مفاتيح تساعد الطبيب على ترجيح عائلة الأسباب قبل أي تحليل، لكنها ترجيحات لا قواعد ثابتة:
| الملاحظة | تميل إلى |
|---|---|
| بداية مفاجئة خلال ساعات مع تشوش وتقلب في الوعي | هذيان بسبب عضوي أو دوائي أو انسحاب |
| أصوات تعلّق أو تأمر مع وعي صافٍ وبداية تدريجية في الشباب | اضطراب ذهاني |
| صور مفصلة متكررة عند مسن مع تذبذب في الانتباه أو بطء حركة | خرف أجسام ليوي أو باركنسون |
| رائحة أو طعم مفاجئ لثوانٍ يعقبه شرود | نوبة صرع |
| إحساس بحشرات تحت الجلد مع سهر وعصبية | منشطات أو انسحاب الكحول |
| صور يعرف صاحبها أنها غير حقيقية مع ضعف شديد في النظر | متلازمة شارل بونيه |
أما العلامات التي تراها الأسرة وتساعد في هذا التمييز فنعرضها في مقال أعراض الهلوسة، وطرق علاج كل سبب في مقال علاج الهلوسة.
كيف تساعدك ريفيرا لايف؟
حين يكون وراء الهلوسة اضطراب نفسي أو تعاطٍ أو انسحاب، يحتاج الأمر إلى فريق يجمع الطب النفسي وعلاج الإدمان. في ريفيرا لايف بالشيخ زايد يبدأ استشاريونا بتقييم يستبعد الأسباب العضوية، ثم يضعون خطة تناسب السبب الحقيقي، بسرية كاملة واستشارة أولى مجانية على +201507999722.
المزيد من دليل الهلوسة
- الهلوسة: الدليل الشامل
- أعراض الهلوسة وعلاماتها
- أنواع الهلوسة بحسب الحواس
- علاج الهلوسة بحسب السبب
- أسباب الذهان: الوراثة والمخدرات والصدمات والنوم وعوامل الحماية
- الذهان الناتج عن المخدرات: المواد المسببة والعلامات والمدة والعلاج
- التحدث مع النفس: متى يكون طبيعيًا ومتى يشير إلى هلوسة؟
- الفطر السحري: ما هو وكيف يؤثر في الدماغ وهل يسبب الإدمان؟
أسئلة يطرحها الكثيرون
لا يوجد سبب واحد هو الأشهر عند الجميع؛ فعند الشباب يتصدر التعاطي والاضطرابات الذهانية، وعند كبار السن يتقدم الهذيان الناتج عن العدوى والأدوية وضعف الحواس والأمراض العصبية.
نعم. السهر المتواصل لعدة أيام قد يسبب رؤية حركة أو سماع أصوات حتى عند الأصحاء، وتختفي هذه الأعراض عادة بعد استعادة النوم.
بعض الأدوية قد تسببها، مثل أدوية باركنسون والأدوية المضادة للكولين والكورتيزون بجرعات عالية وبعض المسكنات والمنومات، خاصة عند كبار السن. لا توقف أي دواء دون الرجوع للطبيب.
الهلوسة المفاجئة عند المسن ترتبط كثيرًا بالهذيان بسبب عدوى كالتهاب المسالك البولية أو جفاف أو دواء جديد، وتحتاج كشفًا عاجلًا لأنها تتحسن غالبًا بعلاج السبب.
نعم، قد تسبب الحمى المرتفعة هلاوس عابرة عند الأطفال. لكن ظهور الهلوسة مع حرارة يستدعي فحصًا طبيًا عاجلًا لاستبعاد العدوى التي تمس الدماغ.