اضطرابات الأكل أمراض نفسية حقيقية وخطيرة، تتغير فيها علاقة الشخص بالطعام وبجسده وبصورته عن نفسه تغيرًا عميقًا يؤثر في صحته الجسدية ومزاجه وحياته كلها. أشهرها فقدان الشهية العصبي، والشره العصبي، واضطراب نهم الطعام، واضطراب تجنب الطعام أو تقييده. ليست اختيارًا ولا غرورًا ولا «موضة» بين الفتيات، ويمكن أن تصيب أي شخص في أي عمر ومن أي جنس وبأي شكل جسد، وكثيرًا ما تختبئ خلف مظهر طبيعي تمامًا. والأهم أن التعافي ممكن، وأن طلب المساعدة مبكرًا يصنع فارقًا كبيرًا. ولا يضع التشخيص إلا طبيب نفسي أو فريق مختص.
ما هي اضطرابات الأكل؟
في اضطرابات الأكل يصبح الطعام والجسد محور التفكير والقلق والتحكم، لا مجرد جزء من اليوم. قد يبدو الأمر من الخارج مسألة أكل، لكنه من الداخل غالبًا طريقة للتعامل مع مشاعر مؤلمة: قلق، أو إحساس بفقدان السيطرة، أو كراهية للذات، أو ضغط لا يجد طريقًا آخر للخروج. لهذا لا يكفي أن يُقال للمريض «كُل» أو «توقف عن الأكل»؛ فالمشكلة ليست نقص إرادة أو معلومات، بل اضطراب يحتاج علاجًا متخصصًا.
وتصنف المراجع الطبية اضطرابات الأكل ضمن أخطر الاضطرابات النفسية من حيث أثرها في الجسد، ويرتبط فقدان الشهية العصبي تحديدًا بمعدلات وفاة مرتفعة مقارنة بغيره إذا تُرك دون علاج. هذه الحقيقة ليست للتخويف، بل لتأكيد أن الأمر يستحق التدخل الجاد.
من يصاب باضطرابات الأكل؟
تبدأ كثير من الحالات في المراهقة وبداية الشباب، لكنها قد تظهر في الطفولة أو في منتصف العمر. وتُشخَّص في الإناث أكثر، إلا أن الذكور يصابون أيضًا ويُكتشفون متأخرين لأن أحدًا لا يتوقعها عندهم. والصورة النمطية للفتاة النحيلة جدًا تضلل الأسر؛ فأغلب المصابين يبدون بوزن طبيعي أو أعلى، ولا يمكن الحكم على وجود اضطراب أكل من شكل الجسد وحده.
إنفوجرافيك: اضطرابات الأكل وأنواعها وعلامات التحذير للأسرة والمخاطر الطبية وفريق العلاج المتكامل
أنواع اضطرابات الأكل
فقدان الشهية العصبي
تقييد شديد للطعام يقود إلى نقص واضح في الوزن مقارنة بما يناسب عمر الشخص وطوله، مع خوف قوي من زيادة الوزن، ورؤية مشوهة للجسد تجعل الشخص يرى نفسه أكبر مما هو. ورغم الاسم، فالمريض لا يفقد الإحساس بالجوع غالبًا، بل يقاومه.
الشره العصبي
نوبات متكررة من الأكل بكميات كبيرة مع إحساس بفقدان السيطرة، يتبعها شعور بالذنب ومحاولات ضارة للتخلص من أثر الأكل. يدور المريض في حلقة مرهقة من التقييد ثم النوبة ثم الذنب، وغالبًا يخفي ذلك عن أقرب الناس إليه لسنوات.
اضطراب نهم الطعام
نوبات أكل متكررة بكميات كبيرة مع فقدان السيطرة والضيق الشديد، لكن دون السلوكيات التعويضية الموجودة في الشره العصبي. وهو من أكثر اضطرابات الأكل انتشارًا. ويختلف عن مفهوم إدمان الطعام الذي لا يُعد تشخيصًا رسميًا، ونشرح الفرق بينهما في مقال إدمان الطعام.
اضطراب تجنب الطعام أو تقييده
يُعرف اختصارًا بـ ARFID، ويظهر في تجنب أنواع كثيرة من الطعام أو تقليل الأكل، لا بسبب الخوف من الوزن أو صورة الجسد، بل بسبب حساسية شديدة للملمس أو الرائحة أو اللون، أو خوف من الاختناق أو التقيؤ، أو قلة الاهتمام بالطعام أصلًا. يكثر عند الأطفال، ويختلف عن «الطفل الانتقائي» العادي بأنه يؤثر في النمو أو التغذية أو الحياة الاجتماعية. ويتكرر عند الأطفال على طيف التوحد.
اضطرابات أكل أخرى محددة
حالات خطيرة بالقدر نفسه لكنها لا تنطبق تمامًا على معايير الأنواع السابقة، وهي في الواقع شائعة. ووجودها خارج «القوالب» لا يعني أنها أخف.
علامات التحذير التي تلاحظها الأسرة
يتقن كثير من المصابين إخفاء ما يمرون به، لذلك تأتي العلامات غالبًا في صورة تغيرات متراكمة لا علامة واحدة:
حول الطعام: تجنب الوجبات العائلية، وأعذار متكررة للأكل وحده، وطقوس غير معتادة حول الطعام، واختفاء كميات من الطعام، أو الانسحاب المتكرر بعد الأكل.
حول الجسد: انشغال دائم بالشكل والوزن، وتعليقات قاسية عن الجسد، وفحص متكرر في المرآة أو تجنبها تمامًا، وملابس واسعة لإخفاء الجسد.
في المزاج والسلوك: عصبية وتقلب، وانعزال عن الأصدقاء، وقلق شديد عند تغيير الروتين، ونشاط بدني مفرط يبدو قهريًا.
في الجسد: تغير ملحوظ في الوزن في أي اتجاه، ودوخة، وإرهاق، والإحساس بالبرد طوال الوقت، واضطراب الدورة الشهرية، وتساقط الشعر، ومشكلات في الأسنان أو الجهاز الهضمي.
هذه العلامات لا تعني بالضرورة وجود اضطراب، لكن اجتماع عدد منها واستمراره يستحق حديثًا هادئًا وتقييمًا طبيًا.
المخاطر الطبية لاضطرابات الأكل
تؤثر اضطرابات الأكل في كل أجهزة الجسم تقريبًا، وقد تكون التحاليل مضطربة حتى عند شخص يبدو بخير:
القلب: بطء النبض، وانخفاض الضغط، واضطراب نظم القلب الذي قد يكون مهددًا للحياة.
الأملاح: نقص البوتاسيوم والصوديوم وغيرهما، وهو من أخطر المضاعفات لأنه قد يسبب اضطرابًا مفاجئًا في القلب.
العظام والهرمونات: هشاشة مبكرة، وتوقف الدورة الشهرية، وتأثر الخصوبة وتأخر النمو عند المراهقين.
الجهاز الهضمي: إمساك وانتفاخ والتهابات في المريء والمعدة، وتآكل مينا الأسنان.
الدماغ والمزاج: ضعف التركيز، واكتئاب، وقلق، ووسواس حول الطعام يزداد مع سوء التغذية نفسه.
ولأن استعادة التغذية بعد تقييد شديد قد تحمل مخاطر على القلب والأملاح، فهي تتم تحت إشراف طبي، لا باجتهاد شخصي أو عائلي.
اطلب مساعدة عاجلة فورًا إذا ظهراتصل بالإسعاف على 123 أو توجه إلى أقرب قسم طوارئ إذا ظهر على شخص لديه اضطراب أكل:إغماء أو فقدان للوعي ولو لثوانٍألم في الصدر أو خفقان شديد أو نبض بطيء جدًا أو غير منتظمضعف شديد يمنعه من الوقوف أو المشي أو تشوش في الوعيتقيؤ دم أو ألم بطني شديدحديث عن إنهاء الحياة أو إيذاء النفس، ويمكنك أيضًا التواصل مع الخط الساخن للصحة النفسية 16328
أسباب اضطرابات الأكل
لا يوجد سبب واحد، بل تفاعل بين عوامل متعددة:
عوامل وراثية وبيولوجية: تتكرر اضطرابات الأكل في العائلات، ويبدو أن للوراثة دورًا معتبرًا في الاستعداد لها.
سمات نفسية: الكمالية، والقلق، وتدني تقدير الذات، وصعوبة التعامل مع المشاعر السلبية.
تجارب مؤلمة: التنمر بسبب الشكل، والصدمات، والضغوط الأسرية والدراسية.
ضغوط ثقافية: مثالية الجسد التي تروجها مواقع التواصل والإعلانات، والتعليقات العائلية المتكررة عن الوزن والشكل.
بدايات خطرة: كثير من الحالات تبدأ بحمية قاسية أو ضغط رياضي في ألعاب تهتم بالشكل أو الوزن.
ولا تتحمل الأسرة ذنب ظهور الاضطراب، لكنها جزء أساسي من الحل.
كيف تُشخَّص اضطرابات الأكل؟
يعتمد التشخيص على مقابلة نفسية مفصلة عن علاقة الشخص بالطعام وجسده ومشاعره، إلى جانب تقييم طبي شامل يشمل الفحص السريري وقياس العلامات الحيوية وتحاليل الأملاح ووظائف الكلى والكبد، ورسم القلب عند الحاجة. ويبحث الفريق كذلك عما قد يصاحب الاضطراب من اكتئاب أو قلق أو وسواس قهري أو تعاطٍ، لأن علاجها جزء من الخطة.
علاج اضطرابات الأكل
فريق متكامل
العلاج الناجح عمل فريق: طبيب نفسي، ومعالج نفسي، وأخصائي تغذية علاجية، وطبيب باطنة أو أطفال يتابع الحالة الجسدية. يحدد الفريق مستوى الرعاية المناسب، من المتابعة في العيادة إلى البرامج النهارية، وصولًا إلى الإقامة في المستشفى حين تكون الحالة الجسدية أو النفسية غير مستقرة.
العلاج الأسري
للأطفال والمراهقين، يُعد العلاج القائم على الأسرة من أكثر الأساليب المدعومة بالأدلة، خاصة في فقدان الشهية العصبي. فيه يتولى الوالدان مؤقتًا، بتوجيه من المعالج، دورًا أكبر في دعم التغذية، ثم تُعاد المسؤولية تدريجيًا إلى المراهق مع تحسنه. الأسرة هنا ليست المتهمة، بل أقوى أدوات العلاج.
العلاج المعرفي السلوكي المعزز
نسخة متخصصة من العلاج المعرفي السلوكي صُممت لاضطرابات الأكل، ويُعرف اختصارًا بـ CBT-E. يعمل على الأفكار المتصلة بالشكل والوزن، وعلى الحلقة التي تغذي الاضطراب، وعلى منع الانتكاس. ويُستخدم مع البالغين والمراهقين الأكبر سنًا في الأنواع المختلفة.
دور الأدوية
الأدوية ليست العلاج الأساسي لمعظم اضطرابات الأكل، لكن الطبيب قد يصف بعض مضادات الاكتئاب في الشره العصبي واضطراب نهم الطعام، أو لعلاج الاكتئاب والقلق المصاحبين. ولا يُبدأ أي دواء أو يُعدَّل أو يُوقف إلا مع الطبيب المعالج.
وتجد الخطوات بالتفصيل، وما يحدث في كل مرحلة، في مقال علاج اضطرابات الأكل.
اضطرابات الأكل والإدمان
يجتمع اضطراب الأكل مع تعاطي الكحول أو المخدرات عند نسبة معتبرة من المرضى، خاصة في الشره العصبي واضطراب نهم الطعام. وقد يسيء بعضهم استخدام المنشطات أو أدوية بلا وصفة ظنًا أنها تساعد في التحكم بالوزن، وهو استخدام بالغ الخطورة على القلب. علاج أحد الاضطرابين وترك الآخر يفتح الباب للانتكاس، لذلك يحتاج المريض إلى خطة تجمعهما، كما في برنامج التشخيص المزدوج.
كيف تتحدث مع شخص تحبه؟
الحديث الأول صعب، وقد يقابَل بالإنكار أو الغضب. هذا متوقع ولا يعني الفشل. ما يساعد عادة:
اختر وقتًا هادئًا ومكانًا خاصًا، بعيدًا عن مائدة الطعام.
ابدأ بقلقك ومحبتك، وتحدث عما لاحظته من تغيرات في مزاجه وحياته، لا عن شكله أو وزنه أو ما يأكله.
استخدم عبارات تبدأ بـ«أنا»: «أنا قلق عليك»، بدل «أنت لا تأكل».
استمع أكثر مما تتكلم، ولا تجادل في تفاصيل الطعام.
اقترح خطوة محددة: زيارة طبيب أو تقييم نفسي، واعرض أن تذهب معه.
تجنب التهديد واللوم والمراقبة المستمرة، وتجنب التعليق على شكل أي شخص أمامه، سلبًا أو إيجابًا.
وإذا كان المريض قاصرًا، فقرار طلب العلاج مسؤولية الوالدين حتى لو رفض. وإذا ظهرت أي علامة من علامات الطوارئ، فالتدخل الطبي العاجل يسبق أي حوار.
خرافات شائعة عن اضطرابات الأكل
الخرافة: اضطرابات الأكل اختيار أو بحث عن لفت الانتباه. الحقيقة: هي أمراض نفسية لها أساس بيولوجي ونفسي، ولا يختارها أحد.
الخرافة: لا تصيب إلا الفتيات. الحقيقة: تصيب الذكور أيضًا، ويتأخر اكتشافها عندهم.
الخرافة: يمكن معرفة المريض من نحافته. الحقيقة: أغلب المصابين يبدون بوزن طبيعي أو أعلى، والخطر الطبي قد يكون كبيرًا رغم ذلك.
الخرافة: الأمر مرحلة وستمر. الحقيقة: بعض الحالات تصبح مزمنة إذا لم تُعالج، والتدخل المبكر يحسن فرص التعافي كثيرًا.
مقالات ذات صلة
إدمان الطعام: الفرق بينه وبين اضطراب نهم الطعام وطرق العلاج.
الاكتئاب: الاضطراب الأكثر مصاحبة لاضطرابات الأكل وعلاجه.
القلق: أعراضه وأنواعه، ودوره في استمرار اضطراب الأكل.
الوسواس القهري: الأفكار المتكررة والطقوس، وتداخلها مع اضطرابات الأكل.
برنامج التشخيص المزدوج: علاج اضطراب الأكل والتعاطي في خطة واحدة.
متى تطلب المساعدة؟
اطلب التقييم إذا أصبح التفكير في الطعام أو الشكل أو الوزن يسيطر على يومك، أو إذا لاحظت في ابنك أو ابنتك أو شريكك تغيرات من علامات التحذير السابقة. لا تنتظر أن «يسوء الأمر» أو أن يتغير الوزن بوضوح؛ فالتدخل المبكر أسهل وأكثر نجاحًا، والتعافي الكامل ممكن لكثيرين. في ريفيرا لايف بالشيخ زايد يقيّم استشاريو الطب النفسي الحالة بسرية تامة، ويتابعون ما يصاحبها من اكتئاب أو قلق أو تعاطٍ مع إشراف طبي على مدار الساعة عند الحاجة إلى الإقامة، ويُشركون الأسرة في الخطة. الاستشارة الأولى مجانية على +201507999722.