
لا يمكن حصر أسباب الفصام في سبب واحد يمكن الإشارة إليه، فالمرض ينشأ من تراكم عوامل: استعداد وراثي موزع على جينات كثيرة، وتأثيرات على نمو الدماغ منذ الحمل، ثم محفزات في المراهقة والشباب مثل تعاطي الحشيش والمنشطات والضغوط الشديدة. لا يكفي أي عامل منها وحده لإحداث المرض، ومعظم من يحملون عاملًا أو أكثر لا يصابون أبدًا. نشرح هنا كل عامل ووزنه الحقيقي كما تعرضه المراجع الطبية، ونصحح أفكارًا شائعة تحمّل الأسرة ذنبًا لا علاقة لها به.
هل للفصام سبب واحد؟
يشرح الأطباء الفصام عادة بنموذج يسمى «الاستعداد والضغط». تخيّل كوبًا يمتلئ تدريجيًا: الوراثة تملأ جزءًا منه، ومضاعفات الحمل والولادة تضيف قدرًا، والشدائد في الطفولة قدرًا آخر، ثم يأتي الحشيش أو أزمة حادة في سن الثامنة عشرة فيفيض الكوب. شخص آخر قد يحمل الجينات نفسها لكن كوبه لا يمتلئ، فلا يمرض.
هذا النموذج يفسر ملاحظتين تحيّران الأسر: لماذا يصاب ابن واحد بينما إخوته بخير رغم أنهم نشأوا في البيت نفسه، ولماذا يظهر المرض أحيانًا في عائلة لا تعرف أي حالة سابقة.
الوراثة: ما حجم دورها فعلًا؟
الوراثة أقوى عوامل الخطر المعروفة، لكنها ليست قدرًا محتومًا. من الأرقام التقريبية التي تتكرر في المراجع:
- في عموم الناس يقارب احتمال الإصابة على مدى العمر 1%.
- إذا كان أحد الوالدين أو الإخوة مصابًا يرتفع الاحتمال إلى نحو 10% تقريبًا، أي أن تسعة من كل عشرة أقارب من الدرجة الأولى لا يصابون.
- عند التوائم المتطابقة، إذا أصيب أحدهما فاحتمال إصابة الآخر يقارب النصف، رغم تطابق جيناتهما تقريبًا، وهذا دليل واضح على دور البيئة.
ولا يوجد «جين الفصام». ما تكشفه الدراسات الجينية الكبيرة هو مئات المتغيرات الشائعة، لكل منها أثر ضئيل، إلى جانب تغيرات نادرة أثرها أكبر، أشهرها نقص جزء صغير من الكروموسوم 22 يُعرف بمتلازمة حذف 22q11.2. ولا يوجد حتى الآن تحليل جيني يتنبأ بإصابة شخص بعينه.

كيمياء الدماغ: الدوبامين والجلوتامات
أقدم تفسير كيميائي للفصام هو فرضية الدوبامين. تقول ببساطة إن زيادة نشاط الدوبامين في مسارات معينة من الدماغ ترتبط بالهلاوس والضلالات، بينما يرتبط نقصه في الفص الجبهي بالأعراض السلبية وصعوبات التفكير. ويدعم ذلك أمران: أن كل مضادات الذهان المعروفة تؤثر في مستقبلات الدوبامين، وأن المنشطات التي ترفع الدوبامين قادرة على إحداث ذهان.
لكن الدوبامين لا يفسر الصورة كاملة، فبعض المرضى لا يستجيبون لهذه الأدوية. لذلك اتجه الاهتمام إلى الجلوتامات، الناقل العصبي المسؤول عن جزء كبير من الإشارات المنشّطة في الدماغ، إذ تُحدث مواد تعطل أحد مستقبلاته، مثل الكيتامين، أعراضًا تشبه الإيجابية والسلبية معًا. الأرجح أن المشكلة خلل في التوازن بين أنظمة عدة، لا نقص أو زيادة في مادة واحدة.
الدماغ قبل الولادة: فرضية النمو العصبي
يرى كثير من الباحثين أن جذور الفصام تبدأ مبكرًا جدًا، أثناء تكوّن الدماغ، ثم تظهر الأعراض بعد سنوات حين يمر الدماغ بمرحلة إعادة التنظيم الكبرى في المراهقة. ومن العوامل المبكرة التي ارتبطت بزيادة طفيفة في الخطر:
- بعض العدوى أثناء الحمل، وسوء تغذية الأم الشديد.
- مضاعفات الولادة التي تنقص الأكسجين عن دماغ الجنين، ونقص الوزن الشديد عند الولادة.
- تقدم سن الأب عند الإنجاب.
كل عامل من هذه يرفع الخطر بقدر صغير، ومعظم من تعرضوا لها لا يصابون. ذكرها لا يعني أن الأم «أخطأت» في حملها؛ فأغلب هذه الظروف خارجة عن إرادة أي أحد.
تغيرات في بنية الدماغ
أظهرت دراسات التصوير، عند مقارنة مجموعات كبيرة من المرضى بغيرهم، فروقًا مثل اتساع طفيف في التجاويف الممتلئة بالسائل داخل الدماغ، ونقص في حجم المادة الرمادية في مناطق مرتبطة بالتفكير والإدراك. ويُعتقد أن عملية «التقليم» الطبيعية التي يتخلص فيها دماغ المراهق من الوصلات الزائدة قد تكون مفرطة لدى بعض المرضى. لكن هذه الفروق تظهر في المتوسطات لا في كل مريض، ولهذا لا تُستخدم الأشعة لتشخيص الفصام.
الحشيش والمنشطات: محفز يمكن تجنبه
من بين كل عوامل الخطر، يبرز التعاطي بوصفه العامل الذي يمكن للشخص وأسرته التحكم فيه فعلًا.
الحشيش والبانجو
تربط دراسات كثيرة بين التعاطي المنتظم للحشيش وارتفاع خطر الذهان والفصام، ويزداد الارتباط كلما بدأ التعاطي في سن أصغر، وكلما كان الاستخدام يوميًا، وكلما ارتفع تركيز المادة الفعالة. كما يرتبط التعاطي ببداية أبكر للمرض عند من يحملون الاستعداد. التفاصيل في أضرار الحشيش وفي صفحة البانجو.
الميثامفيتامين والمنشطات
المنشطات مثل الشبو والآيس ترفع الدوبامين بقوة، وقد تسبب نوبة ذهانية بهلاوس وريبة شديدة حتى عند من لا تاريخ نفسي لديهم. تزول هذه النوبة غالبًا بالتوقف، لكنها قد تطول أو تتكرر، وعند بعض الأشخاص تكشف عن فصام كامن. اقرأ المزيد في صفحة الميثامفيتامين.
ذهان المخدرات أم فصام؟
الذهان الناتج عن مادة يتحسن عادة خلال أيام إلى أسابيع من التوقف، بينما يستمر الفصام. وتشير المتابعات إلى أن نسبة من حالات الذهان المرتبط بالحشيش والمنشطات تتحول لاحقًا إلى تشخيص فصام، لذلك يحتاج كل من مر بنوبة كهذه إلى متابعة نفسية لا إلى علاج الإدمان وحده.
الشدائد في الطفولة والظروف الاجتماعية
ترتبط تجارب الطفولة القاسية، مثل الإهمال الشديد والصدمات المتكررة، بزيادة خطر الذهان في سن لاحقة. ووجدت الأبحاث أيضًا خطرًا أعلى قليلًا مع النشأة في المدن المزدحمة، والهجرة، والعزلة الاجتماعية الطويلة. ولا يعني ذلك أن هذه الظروف تصنع المرض وحدها، بل إنها تضيف ضغطًا مزمنًا على جهاز الاستجابة للتوتر في دماغ يحمل استعدادًا مسبقًا.
الضغوط الحادة: محفز لا سبب
كثيرًا ما تربط الأسرة بداية المرض بحدث معين: امتحان مصيري، أو وفاة قريب، أو انفصال، أو سفر. هذه الأحداث قد تكون الشرارة التي سبقت ظهور الأعراض، لكنها لا تُحدث الفصام في دماغ لا يحمل الاستعداد. وفهم هذا الفرق يخفف شعورًا شائعًا بالذنب: «لو لم نضغط عليه في الثانوية لما مرض».
ما الذي لا يسبب الفصام؟
- طريقة التربية: فكرة «الأم المسببة للفصام» نظرية قديمة تجاوزها العلم تمامًا.
- ضعف الإرادة أو الإيمان: الفصام اضطراب في وظائف الدماغ، لا اختبار للأخلاق أو التدين.
- صدمة واحدة أو موقف محرج: قد تكون محفزًا عند من يحمل الاستعداد، لكنها ليست السبب.
- الدلال الزائد أو القسوة الزائدة: لا دليل على أن أيًّا منهما يسبب المرض.
هل يمكن الوقاية من الفصام؟
لا توجد طريقة مؤكدة لمنع الفصام، لكن يمكن تقليل بعض العوامل. أهمها الابتعاد عن الحشيش والمنشطات، خاصة في المراهقة ولمن في عائلته حالات ذهان. والثاني هو التدخل المبكر: إذا ظهرت علامات المرحلة البادرية، مثل الانسحاب وتراجع الأداء والريبة، فإن التقييم السريع قد يقصر الفترة التي يبقى فيها الذهان دون علاج، وهذا يرتبط بنتائج أفضل. وتجد هذه العلامات بالتفصيل في أعراض الفصام.
أسئلة تطرحها الأسر عن الوراثة
هل سيرث أبنائي الفصام إذا كنت مصابًا؟ احتمال إصابة الطفل أعلى من عموم الناس، لكن الغالبية العظمى من أبناء المرضى لا يصابون. والحديث مع الطبيب النفسي قبل الإنجاب يساعد على فهم الصورة الخاصة بكل أسرة.
أخي مصاب، فهل أنا معرّض؟ خطرك أعلى قليلًا من غيرك، لكنه يظل منخفضًا في المطلق. وأفضل ما تفعله أن تتجنب المخدرات تمامًا، وأن تنتبه لنومك وضغوطك، وأن تطلب التقييم إذا لاحظت تغيرات تقلقك.
إذا كانت لديك أسئلة عن حالة بعينها، فالاستشارة الأولى في ريفيرا لايف مجانية وسرية، ويتولاها استشاري طب نفسي. ولفهم كيف تُترجم هذه الأسباب إلى خطة علاجية راجع علاج الفصام.
المزيد من دليل الفصام
- الفصام: الدليل الشامل
- أعراض الفصام وعلاماته المبكرة
- أنواع الفصام وطيف الاضطرابات الذهانية
- علاج الفصام وخطة منع الانتكاس
- الفصام والزواج: متى يكون الزواج ممكنًا وماذا عن الحمل والوراثة؟
- الفرق بين الفصام وثنائي القطب: جدول مقارنة وكيف يفرّق الطبيب
أسئلة يطرحها الكثيرون
للوراثة دور كبير لكنها ليست حتمية. يرتفع الاحتمال عند وجود قريب من الدرجة الأولى مصاب، ومع ذلك لا يصاب أغلب الأقارب، وكثير من المرضى لا يوجد في عائلاتهم أي حالة.
الحشيش لا يسبب الفصام لكل متعاطٍ، لكنه يرفع الخطر بوضوح لدى من يحملون الاستعداد، خاصة مع البدء في المراهقة والتعاطي اليومي والأنواع عالية التركيز.
الصدمة الحادة قد تكون شرارة تسبق ظهور الأعراض عند من لديه استعداد، لكنها لا تُحدث الفصام وحدها. أما الشدائد المتكررة في الطفولة فهي عامل خطر معروف ضمن عوامل أخرى.
لا. فكرة أن أسلوب الأم أو الأب يسبب الفصام نظرية قديمة تجاوزها العلم. لكن الأجواء الأسرية الهادئة تساعد المريض على الاستقرار بعد التشخيص.
لا يوجد حاليًا تحليل جيني أو دموي يتنبأ بإصابة شخص بعينه. التاريخ العائلي والتقييم النفسي عند ظهور العلامات المبكرة هما الأداة المتاحة.