
الفصام والإدمان يجتمعان أكثر مما يتوقع كثيرون: نسبة التدخين بين مرضى الفصام من أعلى النسب في أي فئة، وتعاطي الحشيش والكحول والمنشطات أشيع بينهم من عامة الناس. والعلاقة تسير في الاتجاهين؛ فالحشيش قد يرفع خطر ظهور الذهان عند المعرضين له، والمرض نفسه يدفع بعض المصابين إلى المواد بحثًا عن راحة مؤقتة. في هذا المقال نشرح لماذا يحدث هذا التداخل، وماذا يفعل كل نوع من المواد بمسار المرض، ولماذا لا ينجح علاج أحدهما دون الآخر. ويبقى التشخيص للطبيب النفسي وحده، خاصة أن بعض أعراض التعاطي تشبه الفصام نفسه.
حجم مشكلة الفصام والإدمان معًا
تشير الدراسات في بلاد مختلفة إلى أن قرابة نصف مرضى الفصام، تقريبًا، يمرون بمشكلة تعاطٍ في مرحلة ما من حياتهم، إذا لم نحسب التدخين. وإذا أضفنا التدخين ترتفع النسبة أكثر بكثير؛ فالمدخنون بين المرضى يمثلون الغالبية في كثير من الأبحاث، ويدخن كثير منهم بشراهة. الأرقام تختلف حسب البلد وطريقة القياس، لكن الاتجاه ثابت: الفصام والتعاطي يلتقيان كثيرًا، ويجب أن يسأل الطبيب عن التعاطي في كل تقييم.
التدخين: الإدمان الذي لا يلتفت إليه أحد
في بيوت كثيرة تُعتبر السجائر «أخف الضررين» وتُترك دون نقاش. لكن التدخين مسؤول عن جزء كبير من أمراض القلب والرئة التي تقصّر أعمار مرضى الفصام مقارنة بغيرهم. ولماذا يدخنون بهذه الكثافة؟ يرجح الباحثون أسبابًا منها أن النيكوتين يخفف مؤقتًا بعض صعوبات التركيز والملل، وأنه قد يخفف الإحساس ببعض الآثار الجانبية للأدوية، إلى جانب عوامل اجتماعية مثل الفراغ وأماكن الإقامة الطويلة.
وهناك معلومة عملية مهمة: دخان السجائر يسرّع تكسير بعض مضادات الذهان في الكبد. لذلك فالإقلاع عن التدخين أو العودة إليه قد يغير مستوى الدواء في الدم، ويجب إبلاغ الطبيب قبل الإقلاع ليتابع ويعدل إن لزم. الإقلاع ممكن ومفيد لمرضى الفصام، وخياراته موضحة في مقال الإقلاع عن التدخين.
الحشيش والذهان: العلاقة الأخطر
هذه أكثر نقطة تحتاج الأسر في مصر إلى فهمها، لأن الحشيش والبانجو منتشران ويُنظر إليهما على أنهما «مزاج» بلا ضرر. ما تقوله الأبحاث:
- رفع خطر الذهان: التعاطي المتكرر، خاصة في المراهقة وبأنواع عالية التركيز، يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بالذهان والفصام عند الأشخاص المعرضين وراثيًا. ليس كل متعاطٍ سيصاب، لكن الخطر حقيقي.
- ظهور أبكر: المتعاطون الذين يصابون بالفصام يظهر عليهم المرض في المتوسط في سن أصغر.
- مسار أسوأ: الاستمرار في التعاطي بعد التشخيص يرتبط بانتكاسات أكثر، ودخول متكرر للمستشفى، وضعف استجابة للعلاج.
وتمتد المخاطر إلى الأنواع الصناعية مثل الإستروكس والفودو، التي قد تسبب ذهانًا حادًا حتى عند من لا يحملون استعدادًا واضحًا. وتفصيل الأضرار النفسية للحشيش في مقال أضرار الحشيش.

المنشطات والكحول والأدوية المخدرة
المنشطات
الآيس والكبتاجون والكوكايين ترفع الدوبامين بقوة، وهي نفس المادة التي تعمل مضادات الذهان على ضبطها. لذلك قد تشعل الهلاوس والشك والهياج عند مريض مستقر، وقد تسبب ذهانًا شبيهًا بالفصام عند غيره، ما يجعل التمييز بينهما صعبًا في البداية.
الكحول
يزيد الاكتئاب والاندفاع، ويتداخل مع أدوية كثيرة، ويرتبط بانخفاض الالتزام بالعلاج.
الترامادول والبريجابالين والمهدئات
في السياق المصري نرى مرضى يستخدمونها للنوم أو لتهدئة القلق. تتداخل مع مضادات الذهان في التأثير المهدئ، وقد يقود الجمع بينها إلى نعاس شديد أو بطء في التنفس، إضافة إلى خطر الاعتماد.
العلاج الذاتي: لماذا يلجأ المريض إلى المادة؟
كثير من المرضى لا يتعاطون بحثًا عن النشوة، بل هربًا من شيء. يحكي بعضهم أن الحشيش «يسكت الأصوات» ساعة، أو أن الكحول يخفف القلق في التجمعات، أو أن السيجارة الوحيدة التي تقطع ملل اليوم. ويرى الباحثون أن هذا التفسير، المسمى فرضية العلاج الذاتي، يفسر جزءًا من الصورة وليس كلها؛ فهناك أيضًا عوامل وراثية مشتركة بين الحالتين، وتشابه في دوائر المكافأة في الدماغ، وظروف اجتماعية مثل البطالة والعزلة والصحبة.
المشكلة أن الراحة المؤقتة تُدفع ثمنها مضاعفًا: انتكاس، وضعف التزام بالدواء، وخلافات أسرية، ومشكلات قانونية أحيانًا.
صعوبة التشخيص عند اجتماع الحالتين
عندما يصل شاب إلى الطوارئ بهلاوس بعد تعاطٍ، يكون السؤال الأول: هل هذا ذهان ناتج عن المادة سيزول خلال أيام أو أسابيع، أم بداية فصام كشفته المادة؟ لا يمكن الإجابة فورًا. يعتمد الطبيب على المتابعة بعد التوقف، وعلى التاريخ السابق، وعلى معلومات الأسرة. وتشير الدراسات إلى أن نسبة من حالات الذهان الناتج عن الحشيش تتحول لاحقًا إلى فصام أو اضطراب ثنائي القطب، وهو سبب إضافي للمتابعة بعد زوال النوبة. والصورة الأوسع للذهان وأسبابه في دليل الذهان.
العلاج المتكامل: خطة واحدة للحالتين
لسنوات طويلة كان المريض يتنقل بين مكان يعالج الإدمان ويرفض «المرضى النفسيين»، ومكان يعالج الفصام ويطلب منه أن «يتوقف عن التعاطي أولًا». هذا النموذج فشل. ما تدعمه الأدلة اليوم هو العلاج المتكامل، حيث يدير فريق واحد الحالتين معًا، كما في برنامج التشخيص المزدوج. ويشمل عادة:
- سحب السموم تحت إشراف عند الحاجة، مع مراقبة الأعراض الذهانية التي قد تشتد أو تخف أثناء الانسحاب.
- ضبط الدواء النفسي: يختار الطبيب مضاد الذهان المناسب، وقد يفضل الحقن طويلة المفعول عند من يصعب عليهم الالتزام، وبعض الأدوية لها مكانة خاصة عند من يستمر تعاطيهم، والقرار طبي بالكامل.
- المقابلة التحفيزية: أسلوب لا يعتمد على الوعظ، بل يساعد المريض على اكتشاف أسبابه الخاصة للتغيير.
- العلاج السلوكي المعرفي للتعامل مع الرغبة الملحة والمحفزات.
- إشراك الأسرة وتدريبها على التواصل دون نقد جارح.
- تأهيل ورعاية لاحقة: عمل أو نشاط يملأ الفراغ، ومتابعة منتظمة.
والأساس الدوائي والنفسي لعلاج الفصام نفسه مشروح بالتفصيل في مقال علاج الفصام.
اطلب مساعدة عاجلة فورًا إذا ظهر
اتصل بالإسعاف على 123 أو توجه إلى أقرب قسم طوارئ إذا ظهر على مريض الفصام بعد التعاطي:
- هياج شديد أو عنف أو هلاوس تأمره بالأذى
- ألم في الصدر أو حرارة مرتفعة جدًا أو تشنجات بعد منشطات
- نعاس عميق أو تنفس بطيء بعد خلط مهدئات أو كحول بالدواء
- حديث عن إنهاء حياته، ويمكنك أيضًا الاتصال بالخط الساخن للصحة النفسية 16328
هل يمكن التعافي من الحالتين معًا؟
نعم، لكن الطريق أطول من علاج إحداهما وحدها، والانتكاس جزء متوقع منه لا دليل على الفشل. ما نلاحظه أن المريض الذي يتوقف عن الحشيش أو المنشطات مع استمرار علاجه النفسي يستقر غالبًا بدرجة أوضح: هلاوس أقل، ونوم أفضل، وقدرة أكبر على العمل والعلاقات. وحتى تقليل التعاطي، إذا لم يكن الامتناع الكامل ممكنًا في البداية، قد يكون خطوة أولى نحو هدف أبعد. الأهم ألا ينقطع الخيط بين المريض وفريقه العلاجي، وأن تبقى الأسرة شريكًا لا قاضيًا.
نصائح للأسرة
- اسأل بصراحة وهدوء عن التعاطي، بما في ذلك الحشيش، ولا تفترض أنه «مجرد سيجارة».
- أخبر الطبيب بكل ما تعرفه، حتى لو طلب المريض الكتمان؛ المعلومة تغير الخطة.
- لا تجعل الدواء النفسي شرطًا يُسحب إذا تعاطى؛ إيقاف الدواء يضاعف الخطر.
- احتفل بالخطوات الصغيرة: تقليل التدخين أو أسبوع بلا حشيش إنجاز حقيقي.
- اطلب الدعم لنفسك أيضًا، فالعيش مع الحالتين مرهق.
كيف تساعدك ريفيرا لايف؟
في ريفيرا لايف بالشيخ زايد يعمل استشاريو الطب النفسي والإدمان في فريق واحد على الحالات التي يجتمع فيها الفصام مع التعاطي، بإشراف طبي على مدار الساعة وسرية كاملة. الخطة تبدأ بتقييم مجاني، وتمتد إلى برنامج الأسرة والرعاية اللاحقة بعد الخروج. للتواصل في أي وقت: +201507999722.
المزيد من دليل الفصام
أسئلة يطرحها الكثيرون
لا يسببه وحده عند كل متعاطٍ، لكن التعاطي المتكرر خاصة في المراهقة يرفع خطر الذهان والفصام عند المعرضين، وقد يبكّر ظهوره.
يرجح الباحثون أسبابًا منها تخفيف مؤقت لصعوبات التركيز والملل، وعوامل وراثية واجتماعية مشتركة، والتدخين هنا يستحق علاجًا لا تجاهلًا.
نعم، لأن التدخين يؤثر في سرعة تكسير بعض مضادات الذهان، وقد يحتاج الطبيب إلى متابعة أو تعديل العلاج عند الإقلاع.
لا. إيقاف الدواء النفسي يضاعف خطر الانتكاس، والأفضل علاج الحالتين معًا ضمن خطة واحدة.
في برنامج تشخيص مزدوج يدير فيه فريق واحد الفصام والإدمان معًا، مثل برنامج ريفيرا لايف بالشيخ زايد.