
خرافات حول المرض النفسي ما زالت تمنع كثيرين من طلب العلاج: أن المريض ضعيف الشخصية، أو قليل الإيمان، أو خطر على من حوله، أو أن الأدوية النفسية تسبب الإدمان، أو أن المرض لا شفاء منه. هذه الأفكار لا تؤذي المريض بالكلام فقط، بل تؤخر وصوله إلى الطبيب شهورًا أو سنوات تتفاقم فيها الأعراض. في هذا المقال نعرض أشهر هذه الخرافات خرافةً خرافة، ونضع أمام كل منها ما تقوله الأدلة الطبية، بلغة هادئة تحترم ثقافتنا ومعتقداتنا.
لماذا تنتشر الخرافات عن المرض النفسي؟
المرض الجسدي يُرى في تحليل أو أشعة، أما المرض النفسي فيظهر في التفكير والمشاعر والسلوك، فيسهل تفسيره بالضعف أو الدلع أو بأسباب غيبية. وتزيد الأفلام والمسلسلات الصورة سوءًا حين تقدم المريض النفسي مجرمًا أو أضحوكة. وتشير الجمعية الأمريكية للطب النفسي إلى أن أكثر من نصف المصابين لا يحصلون على العلاج، وأن الخوف من الوصمة من أهم الأسباب.
والنتيجة أن الشخص يعاني بصمت، أو يذهب إلى كل مكان قبل الطبيب، أو يتوقف عن العلاج بمجرد أن يتحسن خوفًا من كلام الناس.
الخرافة الأولى: المرض النفسي ضعف في الشخصية
الحقيقة: الاضطرابات النفسية حالات صحية لها أسباب حيوية ونفسية واجتماعية، تمامًا كالسكري وضغط الدم. تصيب الأقوياء والناجحين والمشاهير والأطباء أنفسهم. ولا أحد يستطيع أن «يشد حيله» ليخرج من الاكتئاب، كما لا يستطيع أحد أن يقرر بإرادته خفض السكر في دمه. بل إن الاعتراف بالحاجة إلى المساعدة والسعي إليها علامة شجاعة لا ضعف.
الخرافة الثانية: سببه ضعف الإيمان
الحقيقة: المرض النفسي يصيب المؤمنين والصالحين كما يصيب غيرهم، ولا علاقة له بمقدار التدين. والإيمان قد يكون سندًا عظيمًا في رحلة التعافي، ولا تعارض بين الصلاة والدعاء وبين زيارة الطبيب النفسي وتناول العلاج. أما اتهام المريض بضعف الإيمان فيضيف إلى معاناته شعورًا بالذنب يعمّق الاكتئاب.
الخرافة الثالثة: كله حسد وسحر
الحقيقة: نحترم إيمان الناس بالعين والحسد، فهي جزء من عقيدة كثيرين. لكن الأعراض النفسية، كالحزن الطويل والقلق الشديد وسماع الأصوات والشك، لها تفسيرات طبية يمكن تقييمها وعلاجها بنجاح. والمشكلة الحقيقية ليست في الرقية الشرعية التي يلجأ إليها المؤمن، بل في استبدال العلاج الطبي بالتنقل بين من يدّعون فك السحر مقابل المال، فتضيع شهور ثمينة، وقد يتعرض المريض للإيذاء. ناقشنا هذه النقطة بتفصيل أكبر في مقال أسباب الأمراض النفسية.

الخرافة الرابعة: المريض النفسي عنيف وخطير
الحقيقة: الغالبية العظمى من المصابين باضطرابات نفسية ليسوا عنيفين، وهم في الواقع أكثر عرضة لأن يكونوا ضحايا للعنف من أن يمارسوه. ترتفع احتمالية العدوانية في حالات محدودة، مثل الذهان غير المعالج أو حين يجتمع المرض مع تعاطي المخدرات، وهذه الحالات تتحسن كثيرًا بالعلاج. والصورة النمطية للمريض العنيف تأتي من الأفلام والأخبار المثيرة لا من الواقع. ولمعرفة ما قد تلاحظه الأسرة فعلًا وكيف ترد، راجع مقال تصرفات المريض النفسي.
الخرافة الخامسة: الأدوية النفسية تسبب الإدمان
الحقيقة: الأمر يختلف حسب نوع الدواء، والتعميم هنا خاطئ في الاتجاهين:
- مضادات الاكتئاب ومثبتات المزاج ومضادات الذهان: لا تسبب الإدمان بمعناه المعروف، فلا تجعل المريض يشتهيها أو يزيد جرعتها بحثًا عن نشوة. لكن إيقاف بعضها فجأة قد يسبب أعراض توقف مزعجة، ولذلك يُوقف تدريجيًا بإشراف الطبيب.
- بعض المهدئات مثل البنزوديازيبينات: يمكن أن تسبب الاعتماد إذا استُخدمت فترات طويلة أو دون إشراف، ولذلك يصفها الأطباء غالبًا لفترات قصيرة ويتابعونها بعناية. تعرف على مخاطرها في دليل البنزوديازيبينات.
والقاعدة الذهبية: لا يبدأ الدواء النفسي ولا يُعدل ولا يُوقف إلا مع الطبيب الذي وصفه. وقد شرحنا كيف يختار الطبيب الدواء المناسب في مقال أفضل دواء للاكتئاب والقلق.
الخرافة السادسة: المرض النفسي لا يُشفى
الحقيقة: كثير من الاضطرابات النفسية، كنوبات الاكتئاب والقلق، تتحسن تحسنًا كاملًا مع العلاج. وبعضها، كاضطراب ثنائي القطب والفصام، أقرب إلى الأمراض المزمنة مثل السكري، لكن السيطرة عليها ممكنة، ويعيش كثير من المصابين بها حياة مستقرة يعملون ويتزوجون ويربون أطفالهم. والتعافي في الطب النفسي لا يعني دائمًا غياب كل عرض، بل استعادة الحياة والقدرة على العمل والعلاقات.
الخرافة السابعة: الأطفال لا يصابون بأمراض نفسية
الحقيقة: نحو نصف الاضطرابات النفسية تقريبًا يبدأ قبل سن الرابعة عشرة. الأطفال يصابون بالقلق والاكتئاب والوسواس القهري وفرط الحركة، لكن أعراضهم تظهر بشكل مختلف، كنوبات الغضب أو رفض المدرسة أو الشكاوى الجسدية المتكررة. وتجاهلها بعبارة «لما يكبر هيبقى كويس» يضيع أفضل فرصة للعلاج. فصلنا ذلك في مقال الأمراض النفسية عند الأطفال.
الخرافة الثامنة: العلاج النفسي للمجانين فقط
الحقيقة: كلمة «مجنون» نفسها وصمة لا مكان لها في الطب. الطبيب النفسي والمعالج النفسي يساعدان أشخاصًا عاديين يمرون بضغوط أو قلق أو حزن أو مشكلات في النوم أو العلاقات، كما يعالجان الاضطرابات الشديدة. وكثير ممن يزورون العيادة النفسية يعملون ويدرسون ويعيشون حياتهم، لكنهم قرروا ألا يتحملوا المعاناة وحدهم. ولمعرفة العلامات التي تستدعي الزيارة، راجع مقال متى تحتاج طبيب نفسي.
الخرافة التاسعة: الإدمان قلة أخلاق لا مرض
الحقيقة: يصنف الطب الإدمان اضطرابًا يغير دوائر المكافأة والتحكم في الدماغ، فيفقد الشخص قدرته على التوقف رغم إدراكه للضرر. هذا لا يلغي مسؤوليته عن قراراته، لكنه يعني أن العظة والتوبيخ وحدهما لا يكفيان، وأنه يحتاج إلى علاج طبي ونفسي كأي مرض آخر. وكثيرًا ما يكون وراء الإدمان قلق أو اكتئاب أو صدمة لم تُعالج، فيبدأ التعاطي محاولةً لتهدئة ألم داخلي ثم يتحول إلى مشكلة قائمة بذاتها. ولهذا يحتاج من يجمع الأمرين إلى علاج متكامل يتعامل معهما في الوقت نفسه، كما في برنامج التشخيص المزدوج.
خرافات أخرى سريعة
- «الكلام مع صديق يكفي»: الدعم الاجتماعي مهم جدًا، لكنه لا يغني عن العلاج حين يكون هناك اضطراب حقيقي.
- «لو أخذت دواء نفسي هيأثر على عقلي»: الأدوية النفسية تحت الإشراف تعيد التوازن ولا تمحو الشخصية، وأي أثر جانبي يُناقش مع الطبيب ويُعالج.
- «المرض النفسي وراثي، يعني أولادي هيتعبوا»: الوراثة ترفع الاستعداد ولا تحدد المصير، كما شرحنا في مقال الأمراض النفسية الوراثية.
- «الانتحار لا يحدث لمن يتكلم عنه»: الحديث عن الموت علامة تحذير يجب أن تؤخذ بجدية دائمًا، ويستدعي الاتصال بالإسعاف 123 أو الخط الساخن للصحة النفسية 16328.
كيف نكسر الوصمة؟
التغيير يبدأ من تفاصيل صغيرة: أن نستخدم كلمات محترمة بدل «مجنون» و«مختل»، وأن نسأل من يمر بوقت صعب كيف حاله دون أحكام، وأن نتحدث عن الصحة النفسية في البيت والمدرسة كما نتحدث عن الصحة الجسدية. وتؤكد الأبحاث أن الاحتكاك المباشر بأشخاص تعافوا وسماع قصصهم من أكثر ما يغير الصور النمطية.
كيف تساعدك ريفيرا لايف؟
في ريفيرا لايف نتعامل مع كل من يطرق الباب بخصوصية واحترام كاملين، بعيدًا عن الأحكام والوصمة. يمكنك أن تبدأ باستشارة أولى مجانية مع استشاري الطب النفسي في الشيخ زايد، لتسأل وتفهم وتقرر الخطوة التالية بنفسك.
اقرأ أيضًا
- الأمراض النفسية: الأعراض والأنواع والعلاج
- أسباب الأمراض النفسية
- متى تحتاج طبيب نفسي
- تصرفات المريض النفسي
- هل المريض النفسي مسؤول عن تصرفاته؟ الطب والقانون والأسرة
- الفرق بين الفصام وانفصام الشخصية: خرافة شائعة وحقيقة طبية
- الفرق بين العصاب والذهان: الاستبصار والواقع والمسميات الحديثة
أسئلة يطرحها الكثيرون
لا، مضادات الاكتئاب ومثبتات المزاج ومضادات الذهان لا تسبب إدمانًا بمعناه المعروف، بينما قد تسبب بعض المهدئات الاعتماد مع الاستخدام الطويل، لذلك تُوصف بحذر.
الأغلبية العظمى ليسوا عنيفين، وترتفع احتمالية العدوانية في حالات محدودة كالذهان غير المعالج أو مع تعاطي المخدرات، وهي تتحسن بالعلاج.
لا تعارض بينهما، فالإيمان قد يكون سندًا للتعافي، والمهم ألا يحل أي شيء محل التقييم والعلاج الطبي.
كثير من الحالات مثل نوبات الاكتئاب والقلق تتحسن تمامًا، وبعضها يحتاج إلى متابعة طويلة مثل السكري لكنه قابل للسيطرة وحياة مستقرة.
غالبًا بسبب الوصمة والصور الخاطئة في الإعلام، والخوف من كلام الناس. لكن الزيارة سرية، والطبيب يتعامل مع أشخاص عاديين يمرون بضغوط كما يعالج الحالات الشديدة.